فهرس الكتاب

الصفحة 3793 من 3896

بِحُرِّيَّتِهِ، فَصَارَ كَأَحْرَارِ دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَأَسْلَمَ، صَارَ رَقِيقًا، يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ، قُتِلَ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ إذَا أَسْلَمَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ إبْطَالَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَعْتَقَهُ.

وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ قَتْلَهُ، وَإِذْهَابَ نَفْسِهِ وَوَلَائِهِ، فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ تَمَلُّكَهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْمَمْلُوكَ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْهُ سَيِّدُهُ، يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْغَانِمِينَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ بِعَيْنِهِ، وَيَثْبُتُ فِيهِ إذَا قُسِمَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمَالِكِهِ، وَالْمِلْكُ آكَدُ مِنْ الْوَلَاءِ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ مَعَ الْوَلَاءِ وَحْدَهُ أَوْلَى. فَعَلَى هَذَا، لَوْ كَانَ الْمُدَبَّرُ ذِمِّيًّا، فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَسَبَوْهُ، مَلَكُوهُ، وَقَسَمُوهُ.

وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لَا يَمْلِكُونَهُ، فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ ذِمِّيًّا، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ. وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ عِصْمَةَ مَالِ الذِّمِّيِّ، كَعِصْمَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ، بِدَلِيلِ قَطْعِ سَارِقِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَوُجُوبِ ضَمَانِهِ، وَتَحْرِيمِ تَمَلُّكِ مَالِهِ، إذَا أَخَذَهُ الْكُفَّارُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. قَالَ الْقَاضِي: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ سَيِّدَهُ هَاهُنَا لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، جَازَ تَمَلُّكُهُ، فَجَازَ تَمَلُّكُ عِتْقِهِ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ. قُلْنَا: إنَّمَا جَازَ اسْتِرْقَاقُ سَيِّدِهِ، لِزَوَالِ عِصْمَتِهِ، وَذَهَابِ عَاصِمِهِ، وَهُوَ ذِمَّتُهُ وَعَهْدُهُ، وَأَمَّا إذَا ارْتَدَّ مُدَبَّرُهُ، فَإِنَّ عِصْمَةَ وَلَائِهِ ثَابِتَةٌ بِعِصْمَةِ مَنْ لَهُ وَلَاؤُهُ، وَهُوَ وَالْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَإِذَا جَازَ إبْطَالُ وَلَاءِ أَحَدِهِمَا، جَازَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ.

(8670) فَصْلٌ: فَإِنْ ارْتَدَّ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ، فَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَالتَّدْبِيرُ بَاقٍ بِحَالِهِ ; لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ، لَمْ يَعْتِقْ الْمُدَبَّرُ ; لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَهُ زَالَ بِرِدَّتِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ تَدْبِيرَهُ يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، اسْتَأْنَفَ التَّدْبِيرَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّدْبِيرُ بَاقٍ وَيَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ تَدْبِيرَهُ سَبَقَ رِدَّتَهُ، فَهُوَ كَبَيْعِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ ارْتِدَادِهِ. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلِ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ، هَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، أَوْ قَدْ زَالَ بِرِدَّتِهِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ.

فَأَمَّا إنْ دَبَّرَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، فَتَدْبِيرُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ تَدْبِيرَهُ وَقَعَ صَحِيحًا، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا، وَلَمْ يَعْتِقْ الْمُدَبَّرُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَدْبِيرُهُ بَاطِلٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَهُ يَزُولُ بِالرِّدَّةِ، وَإِذَا أَسْلَمَ رُدَّ إلَيْهِ تَمَلُّكًا مُسْتَأْنَفًا.

(8671) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا وَلَدَتْ الْمُدَبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا، فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت