مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِي، أَوْ قَدْ أَبْطَلْتُهُ. لَمْ يَبْطُلْ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِفَةٍ. فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْأُخْرَى، يَبْطُلُ التَّدْبِيرُ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي بُطْلَانِ التَّدْبِيرِ بِالرُّجُوعِ فِيهِ قَوْلًا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِفَةٍ، فَلَا يَبْطُلُ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَالثَّانِيَةُ، يَبْطُلُ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نَفْسَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ بِالْقَوْلِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ آخَرَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ. وَقَوْلُهُ الْجَدِيدُ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى. وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ. وَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِهِ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الرِّقُّ، وَلِهَذَا لَا تَقِفُ الْحُرِّيَّةُ عَلَى قَبُولِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ، وَتَتَنَجَّزُ عَقِيبَ الْمَوْتِ، كَتَنَجُّزِهَا عَقِيبَ سَائِرِ الشُّرُوطِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يَجْمَعَ الْأَمْرَيْنِ، فَثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ التَّعْلِيقِ فِي امْتِنَاعِ الرُّجُوعِ، وَيَجْتَمِعَانِ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ.
(8667) فَصْلٌ: إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِمُدَبَّرِهِ: إذَا أَدَّيْت إلَى وَرَثَتِي كَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ. فَهُوَ رُجُوعٌ عَنْ التَّدْبِيرِ وَيَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، إنْ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ بِالْقَوْلِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَطَلَ التَّدْبِيرُ هَاهُنَا. وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ. لَمْ يُؤَثِّرْ الْقَوْلُ شَيْئًا.
وَإِنْ دَبَّرَهُ كُلَّهُ، ثُمَّ رَجَعَ فِي نِصْفِهِ، صَحَّ، إذَا قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ فِي جَمِيعِهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ أَنْ يُدَبِّرَ نِصْفَهُ ابْتِدَاءً، صَحَّ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ نِصْفِهِ، وَإِنْ غَيَّرَ التَّدْبِيرَ. فَكَانَ مُطْلَقًا، فَجَعَلَهُ مُقَيَّدًا، صَارَ مُقَيَّدًا، إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا، فَأَطْلَقَهُ، صَحَّ، عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا.
وَإِذَا دُبِّرَ الْأَخْرَسُ، وَكَانَتْ إشَارَتُهُ أَوْ كِتَابَتُهُ مَعْلُومَةً، صَحَّ تَدْبِيرُهُ. وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ، إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ ; لِأَنَّ إشَارَتَهُ وَكِتَابَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ فِي أَحْكَامِهِ. وَإِنْ دُبِّرَ، وَهُوَ نَاطِقٌ، ثُمَّ صَارَ أَخْرَسَ، صَحَّ رُجُوعُهُ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْلُومَةِ أَوْ كِتَابَتِهِ. وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، فَلَا عِبْرَةَ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ رُجُوعُهُ.
(8668) فَصْلٌ: وَإِذَا رُهِنَ الْمُدَبَّرُ، لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ ; لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ، وَهُوَ رَهْنٌ، عَتَقَ، وَأُخِذَ مِنْ تَرِكَةِ سَيِّدِهِ قِيمَتُهُ، فَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ ; لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ نَاجِزًا.
(8669) فَصْلٌ: وَإِنْ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ ; لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ، إنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، فَإِنْ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَمْلِكُوهُ ; لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِمَعْصُومٍ، وَيُرَدُّ إلَى سَيِّدِهِ، إنْ عُلِمَ بِهِ قَبْلَ قَسْمِهِ، وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ حَتَّى قُسِمَ، لَمْ يُرَدَّ إلَى سَيِّدِهِ. فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْأُخْرَى إنْ اخْتَارَ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حُسِبَ بِهِ عَلَى آخِذِهِ، أَخَذَهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَخْذَهُ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ. وَمَتَى عَادَ إلَى سَيِّدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، عَادَ تَدْبِيرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى سَيِّدِهِ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، كَمَا لَوْ بِيعَ، وَكَانَ رَقِيقًا لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ سَبْيِهِ، عَتَقَ، فَإِنْ سُبِيَ بَعْدَ هَذَا، لَمْ يُرَدَّ إلَى وَرَثَةِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهُ