فهرس الكتاب

الصفحة 3603 من 3896

وَلَنَا، أَنَّهُ نَقَلَ مَا خَفِيَ عَلَى الْحَاكِمِ إلَيْهِ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ، فَوَجَبَ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالشَّهَادَةِ، وَيُفَارِقُ أَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ ; فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَاكِمُ وُجُودُهُ عِنْدَهُ كَعَدَمِهِ، فَإِذَا تُرْجِمَ لَهُ، كَانَ كَنَقْلِ الْإِقْرَارِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَجْلِسِهِ، وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شَاهِدَيْنِ، كَذَا هَاهُنَا.

فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تَكُونُ التَّرْجَمَةُ شَهَادَةً تَفْتَقِرُ إلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَلَمْ يَكْفِ إلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَى فِيهِ تَرْجَمَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَمْ تُعْتَبَرْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ.

وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ زِنًى، خُرِّجَ فِي التَّرْجَمَةِ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَكْفِي فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ. وَالثَّانِي، يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ ; بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ.

وَإِنْ قُلْنَا: يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ. فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ، وَلَا وَلَا تُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ. وَتُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ خَبَرٌ يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْعَبْدِ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ، وَلَا أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، كَالرِّوَايَةِ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ تَرْجَمَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ ; لِأَنَّ رِوَايَتهَا مَقْبُولَةٌ.

(8286) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي التَّعْرِيفِ، وَالرِّسَالَةِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، كَالْحُكْمِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَفِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهَا. ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ فِيمَا مَضَى.

(8287) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا عُزِلَ، فَقَالَ: كُنْت حَكَمْت فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ. قُبِلَ قَوْلُهُ، وَأُمْضِيَ ذَلِكَ الْحَقُّ)

وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ.

قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ. وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ هَاهُنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ، لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ، كَمَنْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ بَعْدَ بَيْعِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، إذَا كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ، قُبِلَ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُقْبَلُ إلَّا شَاهِدَانِ سِوَاهُ، يَشْهَدَانِ بِذَلِكَ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ عُزِلَ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ، لَزِمَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُ كِتَابِهِ بَعْدَ عَزْلِ كَاتِبِهِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ، كَحَالِ وِلَايَتِهِ.

(8288) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَالَ فِي وِلَايَتِهِ: كُنْت حَكَمْت لِفُلَانٍ بِكَذَا. قُبِلَ قَوْلُهُ، سَوَاءٌ قَالَ: قَضَيْت عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ. أَوْ قَالَ: سَمِعْت بَيِّنَتَهُ وَعَرَفْت عَدَالَتَهُمْ. أَوْ قَالَ: قَضَيْت عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ. أَوْ قَالَ: أَقَرَّ عِنْدِي فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِحَقٍّ، فَحَكَمْت بِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ. وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ ; لِأَنَّ فِيهِ إخْبَارًا بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ، كَالشَّهَادَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت