أَعْطَيْتِنِي، أَوْ أَيَّ حِينٍ أَوْ أَيَّ زَمَانٍ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي. وَإِنْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي، أَوْ إذَا أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ. فَإِنْ أَعْطَتْهُ جَوَابًا لِكَلَامِهِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْعَطَاءُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ قَبُولَ الْمُعَاوَضَاتِ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ، وَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُعَاوَضَاتِ، بِخِلَافِ مَتَى وَأَيٍّ، فَإِنَّ فِيهِمَا تَصْرِيحًا بِالتَّرَاخِي، وَنَصًّا فِيهِ. وَإِنْ صَارَا مُعَاوَضَةً، فَإِنَّ تَعْلِيقَهُ بِالصِّفَةِ جَائِزٌ، أَمَّا إنْ وَإِذَا، فَإِنَّهُمَا يَحْتَمِلَانِ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بِهِمَا الْعِوَضُ، حُمِلَا عَلَى الْفَوْرِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطِ الْإِعْطَاءِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ. أَوْ نَقُولُ: عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِحَرْفِ مُقْتَضَاهُ التَّرَاخِي، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِيَ، كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَاهُ التَّرَاخِي، أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ إذَا خَلَا عَنْ الْعِوَضِ، وَمُقْتَضَيَاتُ الْأَلْفَاظِ لَا تَخْتَلِفُ بِالْعِوَضِ وَعَدَمِهِ، وَهَذِهِ الْمُعَاوَضَةُ مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ ; بِدَلِيلِ جَوَازِ تَعْلِيقهَا عَلَى الشُّرُوطِ، وَيَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي فِيمَا إذَا عَلَّقَهَا بِمَتَى أَوْ بِأَيِّ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ، ثُمَّ يَبْطُلُ قِيَاسُهُمْ بِقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ. فَإِنَّهُ كَمَسْأَلَتِنَا، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ هَذَا اللَّفْظِ حُكْمُ الشَّرْطِ الْمُطْلَقِ.
(5777) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ إنْ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ، فَإِذَا شَاءَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَيَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ سَوَاءٌ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ. فَأَجَابَهَا، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا ابْتِدَاءً ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ، فَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَ وُجُودِهِ. وَتُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا بِالْقَوْلِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَ مَحِلُّهَا الْقَلْبَ، فَلَا يُعْرَفُ مَا فِي الْقَلْبِ إلَّا بِالنُّطْقِ، فَيُعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي، فَمَتَى شَاءَتْ طَلُقَتْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ، إلَّا فِي أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ. وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا.
فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ; لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَك بِيَدِك، عَلَى التَّرَاخِي، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت. أَنَّ لَهَا الْمَشِيئَةَ بَعْدَ مَجْلِسِهَا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ; لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي. وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ إنْ شِئْت. كَانَ عَلَى التَّرَاخِي. وَالطَّلَاقُ نَظِيرُ الْعِتْقِ. فَعَلَى هَذَا، مَتَى ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا، كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهَا ; لِأَنَّ أَمْرَك بِيَدِك تَوْكِيلٌ مِنْهُ لَهَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَكَالَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا. فَمَتَى ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا، وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا، وَقَعَ، مَا لَمْ يَرْجِعْ. وَإِنْ ضَمِنَتْ الْأَلْفَ وَلَمْ تَطْلُقْ، أَوْ طَلُقَتْ وَلَمْ تَضْمَنْ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ.
(5778) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ اُسْتُحِقَّ، فَلَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهُ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى عِوَضٍ يَظُنُّهُ مَالًا، فَبَانَ غَيْرَ مَالٍ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ تُعَيِّنُهُ فَيَبِينُ حُرًّا، أَوْ مَغْصُوبًا، أَوْ عَلَى خَلٍّ فَيَبِينُ خَمْرًا، فَإِنَّ الْخُلْعَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ، فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ، كَالنِّكَاحِ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَصَاحِبَا