فهرس الكتاب

الصفحة 1848 من 3896

الْمُهْدِي فِي هَدِيَّتِهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ، صَحَّ رُجُوعُهُ فِيهَا، وَالْهِبَةُ كَالْهَدِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَالْفَسْخِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ. وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ قَبُولِهِ

وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبُولِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، بَطَلَتْ، وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبُولِ مِنْ الْمُشْتَرِي. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ، بَطَلَ الْإِذْنُ، وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ إنْ كَانَ هُوَ الْوَاهِبَ فَقَدْ انْتَقَلَ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ إلَى وَارِثِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبَ لَهُ، فَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ، لِوَارِثِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْقَبْضَ بِغَيْرِ إذْنٍ.

(4442) فَصْلٌ: وَإِنْ وَهَبَهُ شَيْئًا فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، كَوَدِيعَةٍ، أَوْ مَغْصُوبٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَلَا مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا وَهَبَ لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا وَلَمْ تَقْبِضْهُ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا خِيَارٌ، هِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ قَبْضًا، وَلَا مُضِيَّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى فِيهَا، لِكَوْنِهَا مَعَهُ فِي الْبَيْتِ، فَيَدُهَا عَلَى مَا فِيهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى فِيهَا الْقَبْضُ

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنٍ فِي الْقَبْضِ. وَقَدْ مَضَى تَعْلِيلُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي الرَّهْنِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا، فِي الِاخْتِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الْإِذْنِ، وَاعْتِبَارِ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا.

(4443) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَيَصِحُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَبْضٍ إذَا قَبِلَ، كَمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ)

يَعْنِي أَنَّ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ تَلْزَمُ الْهِبَةُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: الْهِبَةُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً قُبِضَتْ أَوْ لَمْ تُقْبَضْ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ فِي الْجَمِيعِ إلَّا بِالْقَبْضِ

وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيُّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْهِبَةَ أَحَدُ نَوْعَيْ التَّمْلِيكِ، فَكَانَ مِنْهَا مَا لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَمِنْهَا مَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ، كَالْبَيْعِ، فَإِنَّ فِيهِ مَا لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهُوَ الصَّرْفُ، وَبَيْعُ الرِّبَوِيَّاتِ، وَمِنْهُ مَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ، وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ

فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، فَلَا يَلْزَمُ، فَإِنَّ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عِشْرِينَ وَسْقًا مَجْذُوذَةً، فَيَكُون مَكِيلًا، غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَبْضِ. وَإِنْ أَرَادَ نَخْلًا يَجُذُّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِيهِ قَبْلَ تَعْيِينِهِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت