فهرس الكتاب

الصفحة 1849 من 3896

فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَعَدْتُك بِالنِّحْلَةِ. وَقَوْلُ عُمَرَ أَرَادَ بِهِ النَّهْيَ عَنْ التَّحَيُّلِ بِنِحْلَةِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ نِحْلَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَوْتِ، فَيُظْهِرُ: إنِّي نَحَلْت وَلَدِي شَيْئًا

وَيُمْسِكُهُ فِي يَدِهِ وَيَسْتَغِلُّهُ، فَإِذَا مَاتَ أَخَذَهُ وَلَدُهُ بِحُكْمِ النِّحْلَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا، وَإِنْ مَاتَ وَلَدُهُ أَمْسَكَهُ، وَلَمْ يُعْطِ وَرَثَةَ وَلَدِهِ شَيْئًا. وَهَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُحَرَّمٌ، فَنَهَاهُمْ عَنْ هَذَا حَتَّى يَحُوزَهَا الْوَلَدُ دُونَ وَالِدِهِ، فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهَا وَرَثَتُهُ، كَسَائِرِ مَالِهِ. وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هَذَا اخْتَصَّ بِهِبَةِ الْوَلَدِ دُونَ وَالِدِهِ، وَشِبْهِهِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ خِلَافُ ذَلِكَ، فَتَعَارَضَتْ أَقْوَالُهُمْ.

(4444) فَصْلٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: (إذَا قَبِلَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْقَبْضِ فِي مَوْضِعٍ وُجِدَ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ. وَالْإِيجَابُ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُك، أَوْ أَهْدَيْت إلَيْك، أَوْ أَعْطَيْتُك، أَوْ هَذَا لَك. وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَالْقَبُولُ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْت، أَوْ رَضِيت، أَوْ نَحْوَ هَذَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ لَا تَصِحُّ كُلُّهَا إلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَبْضُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ

وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ، فَافْتَقَرَ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، كَالنِّكَاحِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُعَاطَاةَ وَالْأَفْعَالَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَافِيَةٌ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى لَفْظٍ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُهْدِي وَيُهْدَى إلَيْهِ، وَيُعْطِي وَيُعْطَى، وَيُفَرِّقُ الصَّدَقَاتِ، وَيَأْمُرُ سُعَاتَهُ بِتَفْرِيقِهَا وَأَخْذِهَا، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ""

وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ، وَلَا أَمْرٌ بِهِ وَلَا تَعْلِيمُهُ لِأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا مَشْهُورًا، {وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى بَعِيرٍ لِعُمَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ. فَقَالَ: هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت} . وَلَمْ يُنْقَلْ قَبُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُمَرَ، وَلَا قَبُولُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِمَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَهُ

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ قَالُوا: صَدَقَةً. قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قَالُوا: هَدِيَّةً. ضَرَبَ بِيَدِهِ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ} . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ، فِي أَنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بَيْنَ يَدَيْ الضَّيْفَانِ إذْنٌ فِي الْأَكْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ بِقَوْلِهِ. وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي بِنَقْلِ الْمِلْكِ، فَاكْتُفِيَ بِهِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا يُشْتَرَطُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَعَدَمِ الْعُرْفِ الْقَائِمِ بَيْنَ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلٍ دَالٍ عَلَيْهِ، أَمَّا مَعَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالدَّلَائِلِ، فَلَا وَجْهَ لِتَوْقِيفِهِ عَلَى اللَّفْظِ، أَلَا تَرَى أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِالْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ، وَاكْتَفَيْنَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ، وَهُوَ إجَارَةٌ وَبَيْعُ أَعْيَانٍ، فَإِذَا اكْتَفَيْنَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَعَ تَأَكُّدِهَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَأَنَّهَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلَأَنْ نَكْتَفِيَ بِهِ فِي الْهِبَةِ أَوْلَى.

(4445) فَصْلٌ: وَالْقَبْضُ فِيمَا لَا يُنْقَلُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، لَا حَائِلَ دُونَهُ، وَفِيمَا يُنْقَلُ بِالنَّقْلِ، وَفِي الْمَشَاعِ بِتَسْلِيمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت