فهرس الكتاب

الصفحة 3683 من 3896

أَصْلًا، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهَا ؟ وَلَمَّا ذَكَرَ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ أَطْلَقَ الْيَمِينَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا.

وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ الْمَصِيرِ إلَى مَا خُولِفَ فِيهِ الْقِيَاسُ وَتُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، إنَّمَا فِيهِ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْحَالِفِ عِنْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَهُ. وَأَمَّا قِصَّةُ مَرْوَانَ، فَمِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُهُمْ بِهَا، وَذَهَابُهُمْ إلَى قَوْلِ مَرْوَانَ فِي قَضِيَّةٍ خَالَفَهُ زَيْدٌ فِيهَا، وَقَوْلُ زَيْدٍ، فَقِيهِ الصَّحَابَةِ وَقَاضِيهمْ وَأَفْرَضِهِمْ، أَحَقُّ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْلِ مَرْوَانَ ; فَإِنَّ قَوْلَ مَرْوَانَ لَوْ انْفَرَدَ، مَا جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلِ أَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِ فَعَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِطْلَاقَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ وَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ.

وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ التَّغْلِيظَ بِالْمَكَانِ وَاللَّفْظِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، لِاسْتِحْلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ، بِقَوْلِهِ: {نَشَدْتُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى} . وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكِتَابِيَّيْنِ {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} . وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ سُورٍ، فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إلَى الْمَذْبَحِ، وَاجْعَلُوا الْإِنْجِيلَ فِي حِجْرِهِ، وَالتَّوْرَاةَ عَلَى رَأْسِهِ.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِي نَصْرَانِيٍّ: اذْهَبْ بِهِ إلَى الْبِيعَةِ، فَاسْتَحْلِفْهُ بِمَا يُسْتَحْلَفُ بِهِ مِثْلُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ أَنْ يُسْتَحْلَفَ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ، وَلَا بِيَمِينٍ غَيْرِ الَّذِي يُسْتَحْلَفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَلْفَاظِ غَيْرُ وَاجِبٍ، إلَّا أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ ذَكَرَ أَنَّ فِي وُجُوبِ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ.

وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاصِّ، فَقَالَ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الْقَاضِيَ حَيْثُ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَبَلَدِ قَضَائِهِ، جَازَ، وَإِنَّمَا التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ فِيهِ اخْتِيَارٌ فَيَكُونُ التَّغْلِيظُ عِنْدَ مَنْ رَآهُ اخْتِيَارًا وَاسْتِحْسَانًا.

(8433) فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ نَجِدْ أَحَدًا يُوجِبُ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُهُمْ يُؤَكِّدُونَ بِالْمُصْحَفِ، وَرَأَيْت ابْنَ مَازِنٍ، وَهُوَ قَاضٍ بِصَنْعَاءَ، يُغَلِّظُ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ. قَالَ أَصْحَابُهُ: فَيُغَلِّظُ عَلَيْهِ بِإِحْضَارِ الْمُصْحَفِ ; لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ. وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَمِينِ، وَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَقُضَاتُهُمْ، مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إلَيْهَا، وَلَا يُتْرَكُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لِفِعْلِ ابْنِ مَازِنٍ وَلَا غَيْرِهِ.

(8434) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ. وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْعِلْمِ)

.مَعْنَى الْبَتِّ: الْقَطْعُ. أَيْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ. وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، إلَّا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ: كُلُّهَا عَلَى الْعِلْمِ.

وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ. وَذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِي أَيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ} . وَلِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ مَا لَا عِلْمِ لَهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: كُلُّهَا عَلَى الْبَتِّ، كَمَا يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت