فهرس الكتاب

الصفحة 3684 من 3896

وَلَنَا، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ {، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: قُلْ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عَلَيْك حَقٌّ} . وَرَوَى الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، {أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْضٍ مِنْ الْيَمَنِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ فِي يَدِهِ. فَقَالَ: هَلْ لَك بَيِّنَةٌ ؟. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ، أُحَلِّفُهُ وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ. فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِحَاطَةُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ، فَافْتَرَقَا فِي الْيَمِينِ، كَمَا افْتَرَقَتْ الشَّهَادَةُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْقَطْعِ فِيمَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ، وَعَلَى الظَّنِّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقَطْعُ مِنْ الْأَمْلَاكِ وَالْأَنْسَابِ، وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِيمَا لَا تُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِانْتِفَائِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ.

وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَحْمُولٌ عَلَى الْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ، نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ إثْبَاتًا، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَوْ بَاعَ، وَيُقِيمَ شَاهِدًا بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ جِنَايَةٌ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لَا غَيْرُ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ كَفَاهُ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ الْعِلْمَ، كَمَا فِي الشَّاهِدِ إذَا شَهِدَ بِعَدَدِ الْوَرَثَةِ، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُمْ. سُمِعَ ذَلِكَ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ عِلْمَهُ.

وَلَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى أَوْ اسْتَدَانَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْوَارِثِ عَلَى نَفْيِ الْمَوْرُوثِ.

(8435) فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: اخْتَلَفَ قَوْلُ أَحْمَدَ، فِي مَنْ بَاعَ سِلْعَةً، فَظَهْرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ بِهَا، وَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ، هَلْ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتَاتِ أَوْ عَلَى عِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَلَوْ أَبَقَ عَبْدُ الْمُشْتَرِي، فَادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَهُ، فَأَنْكَرَ، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ قَطُّ، أَوْ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ، فَيَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ قَطُّ.

وَوَجْهُ كَوْنِ الْيَمِينِ عَلَى عِلْمِهِ، أَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى. وَوَجْهُ الْأُخْرَى، أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَهُ مَعِيبًا، يَسْتَحِقُّ بِهِ رَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ، كَمَا لَوْ كَانَ إثْبَاتًا.

(8436) فَصْلٌ: وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ هُوَ فِيهَا صَادِقٌ، أَوْ تَوَجَّهَتْ لَهُ، أُبِيحَ لَهُ الْحَلِفُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ إثْمٍ وَلَا غَيْرِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الْيَمِينَ، وَلَا يَشْرَعُ مُحَرَّمًا. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْحَقِّ، فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ. وَحَلَفَ عُمَرُ لِأَبِي عَلَى نَخِيلٍ، ثُمَّ وَهَبَهُ لَهُ، وَقَالَ: خِفْت إنْ لَمْ أَحْلِفْ أَنْ يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى حُقُوقِهِمْ، فَتَصِيرَ سُنَّةً.

قَالَ حَنْبَلٌ: بُلِيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِ هَذَا، جَاءَ إلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ، فَقَالَ: لِي قِبَلَك حَقٌّ مِنْ مِيرَاثِ أَبِي، وَأُطَالِبُك بِالْقَاضِي، وَأُحَلِّفُك. فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَحْلِفُ لَهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِبَلِي حَقٌّ، وَأَنَا غَيْرُ شَاكٍّ فِي ذَلِكَ حَلَفْت لَهُ، وَكَيْفَ لَا أَحْلِفُ، وَعُمَرُ قَدْ حَلَفَ، وَأَنَا مَنْ أَنَا ؟ وَعَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْيَمِينِ، فَكَفَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ، وَرَجَعَ الْغُلَامُ عَنْ تِلْكَ الْمُطَالَبَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْأَوْلَى، فَقَالَ قَوْمٌ: الْحَلِفُ أَوْلَى مِنْ افْتِدَاءِ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ عُمَرَ حَلَفَ ; وَلِأَنَّ فِي الْحَلِفِ فَائِدَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، حِفْظُ مَالِهِ عَنْ الضَّيَاعِ، وَقَدْ نَهَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت