فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَبْدٌ فَبَاعَاهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَبَاعَهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا يَصِحُّ فِيهِمَا، وَيَتَقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا لَرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكَمَا لَوْ بَاعَا عَبْدًا وَاحِدًا لَهُمَا، أَوْ قَفِيزَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ جُمْلَةَ الْبَيْعِ مُقَابَلَةٌ بِجُمْلَةِ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ تَقْسِيطٍ وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ وَالْقَفِيزَانِ يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِالْأَجْزَاءِ، فَلَا جَهَالَةَ فِيهِ.
(3136) فَصْلٌ: وَمَتَى حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْحَالِ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِثْلُ إنْ اشْتَرَى عَبْدًا يَظُنُّهُ كُلَّهُ لِلْبَائِعِ فَبَانَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهُ أَوْ عَبْدَيْنِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا أَحَدَهُمَا، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْسَاكِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِقِسْطِهِ وَلَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْئَيْنِ يُفْتَقَرُ إلَى الْقَبْضِ فِيهِمَا، فَتَلِفَ أَحَدُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ لِأَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي كَوْنِ الْمَبِيعِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حُكْمُ مَا قَبْلَ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمَلَكَ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ بِهِ.
(3137) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَّجِرُ الْوَصِيُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ فَإِنْ أَعْطَاهُ لِمَنْ يُضَارِبُ لَهُ بِهِ فَلِلْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ مَا وَافَقَهُ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُضَارِبَ بِمَالِهِ وَأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مَنْ يُضَارِبُ لَهُ بِهِ، وَيَجْعَلُ لَهُ نَصِيبًا مِنْ الرِّبْحِ، أَيًّا كَانَ، أَوْ وَصِيًّا، أَوْ حَاكِمًا، أَوْ أَمِينَ حَاكِمٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ.
وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يُرْوَى إبَاحَةُ التِّجَارَةِ بِهِ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالضَّحَّاكِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ اجْتِنَابَ الْمُخَاطَرَةِ بِهِ، وَلِأَنَّ خَزْنَهُ أَحْفَظُ لَهُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ} وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَظُّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِتَكُونَ نَفَقَتُهُ مِنْ فَاضِلِهِ وَرِبْحِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْبَالِغُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَّجِرُ إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الْآمِنَةِ، وَلَا يَدْفَعُهُ إلَّا لِأُمَّيْنِ وَلَا يُغَرِّرُ بِمَالِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَبْضَعَتْ مَالَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْبَحْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ قَرِيبٍ مِنْ السَّاحِلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا جَعَلَتْهُ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَيْهَا إنْ هَلَكَ غَرِمَتْهُ فَمَتَى اتَّجَرَ فِي الْمَالِ بِنَفْسِهِ فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ وَأَجَازَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَإِسْحَاقُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْوَصِيُّ مُضَارَبَةً لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَازَ أَنْ يَدْفَعَهُ بِذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يَأْخُذ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا لِأَنَّ الرِّبْحَ نَمَاءُ مَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ إلَّا بِعَقْدٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْوَلِيُّ الْمُضَارَبَةَ مَعَ نَفْسِهِ، فَأَمَّا إنْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ فَلِلْمُضَارِبِ مَا جَعَلَهُ لَهُ الْوَلِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ، أَيْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ