جَمِيعًا لِأَنَّ الْوَصِيَّ نَائِبٌ عَنْ الْيَتِيمِ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، وَهَذَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ فَصَارَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ كَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِي مَالِهِ.
(3138) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ إبْضَاعُ مَالِهِ وَمَعْنَاهُ ; دَفْعُهُ إلَى مَنْ يَتَّجِرُ بِهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَبْضَعَتْ مَالَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ دَفْعُهُ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ فَدَفْعُهُ إلَى مَنْ يُوَفِّرُ الرِّبْحَ أَوْلَى وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ الْعَقَارَ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُ ; فَإِنَّهُ يُحَصِّلُ مِنْهُ الْفَضْلَ وَيَبْقَى الْأَصْلُ وَالْغَرَرُ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ التِّجَارَةِ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَحْفُوظٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَبْنِي لَهُ عَقَارًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ إلَّا أَنْ يَكُنْ الشِّرَاءُ أَحَظَّ وَهُوَ مُمْكِنٌ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ وَإِذَا أَرَادَ الْبِنَاءَ بَنَاهُ بِمَا يَرَى الْحَظَّ فِي الْبِنَاءِ بِهِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا يَبْنِيهِ بِالْآجُرِّ وَالطِّينِ وَلَا يَبْنِي بِاللَّبِنِ لِأَنَّهُ إذَا هُدِمَ لَا مَرْجُوعَ لَهُ وَلَا بِجِصٍّ لِأَنَّهُ يَلْتَصِقُ بِالْآجِرِ فَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ، فَإِذَا هُدِمَ فَسَدَ الْآجِرُ لِأَنَّ تَخْلِيصَهُ مِنْهُ يُفْضِي إلَى كَسْرِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْحَظُّ لَهُ فِي الْبِنَاءِ بِغَيْرِهِ فَتَرَكَهُ ضَيَّعَ حَظَّهُ وَمَالَهُ وَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُ الْحَظِّ الْعَاجِلِ وَتَحَمُّلُ الضَّرَرِ النَّاجِزِ الْمُتَيَقَّنِ لِتَوَهُّمِ مَصْلَحَةِ بَقَاءِ الْآجِرِ عِنْدَ هَدْمِ الْبِنَاءِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي حَيَّاتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْبُلْدَانِ لَا يُوجَدُ فِيهَا الْآجِرُ وَكَثِيرٌ مِنْهَا لَمْ تَجْرِ عَادَتْهُمْ بِالْبِنَاءِ بِهِ، فَلَوْ كُلِّفُوا الْبِنَاءَ بِهِ لَاحْتَاجُوا إلَى غَرَامَةٍ كَثِيرَةٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهَا طَائِلٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا يَخْتَصُّ مَنْ عَادَتْهُمْ الْبِنَاءُ بِالْآجِرِ كَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ.
(3139) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ عَقَارِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ; لِأَنَّنَا نَأْمُرُهُ بِالشِّرَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَظِّ، فَيَكُونُ بَيْعُهُ تَفْوِيتًا لِلْحَظِّ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ جَازَ، نَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ الدُّورِ عَلَى الصِّغَارِ، إذَا كَانَ نَظَرًا لَهُمْ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَإِسْحَاقُ قَالُوا يَبِيعُ إذَا رَأَى الصَّلَاحَ قَالَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى كِسْوَةٍ، أَوْ نَفَقَةٍ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ، أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي بَيْعِهِ غِبْطَةٌ ; وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ كَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِ أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ بِغَرَقٍ أَوْ خَرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْبَيْعِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ نَظَرًا لَهُمْ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا ذَكَرُوهُ. وَقَدْ يَرَى الْوَلِيُّ الْحَظَّ فِي غَيْرِ هَذَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ نَفْعُهُ قَلِيلٌ، فَيَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي لَهُ فِي مَكَان يَكْثُرُ نَفْعُهُ، أَوْ يَرَى شَيْئًا فِي شِرَائِهِ غِبْطَةٌ وَلَا يُمْكِنُهُ شِرَاؤُهُ إلَّا بِبَيْعِ عَقَارِهِ. وَقَدْ تَكُونُ دَارُهُ فِي مَكَان يَتَضَرَّرُ الْغُلَامُ بِالْمُقَامِ فِيهَا، لِسُوءِ الْجِوَارِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَبِيعُهَا وَيَشْتَرِي لَهُ بِثَمَنِهَا دَارًا يَصْلُحُ لَهُ الْمُقَامُ بِهَا، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ. وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ حَظٌّ فِي بَيْعِ عَقَارِهِ وَإِنْ دَفَعَ فِيهِ مِثْلَا ثَمَنِهِ إمَّا لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ فَيَضِيعُ الثَّمَنُ وَلَا يُبَارَكُ فِيهِ. فَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ بَاعَ دَارًا أَوْ عَقَارًا، وَلَمْ يَصْرِفْ ثَمَنَهُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ} فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا فَلَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْجَوَازِ، وَلَا فِي الْمَنْعِ، بَلْ مَتَى كَانَ بَيْعُهُ أَحْظَ لَهُ جَازَ بَيْعُهُ وَإِلَّا فَلَا.
(3140) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ كِتَابَةُ رَقِيقِ الْيَتِيمِ وَإِعْتَاقُهُ عَلَى مَالٍ، إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ