أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْيٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ.
(1231) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَهُوَ كَالْبَرِّ، إنْ كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ تَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، أُبِيحَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا، سَوَاءٌ قَطَعَهَا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ، اعْتِبَارًا بِالْمَسَافَةِ وَإِنْ شَكَّ هَلْ السَّفَرُ مُبِيحٌ لِلْقَصْرِ أَوْ لَا ؟ لَمْ يُبَحْ لَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْإِتْمَامِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
وَإِنْ قَصَرَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَهَا أَنَّهُ طَوِيلٌ ; لِأَنَّهُ صَلَّى شَاكًّا فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ.
(1232) فَصْلٌ: وَالِاعْتِبَارُ بِالنِّيَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَ مَسَافَةً تُبِيحُ الْقَصْرَ، فَلَوْ خَرَجَ يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا، فَقَصَرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ، كَانَ مَا صَلَّاهُ مَاضِيًا صَحِيحًا، وَلَا يَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةٌ بِنَفْسِهَا. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا. وَلَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدِ آبِقٍ، لَا يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ، أَوْ مُنْتَجَعًا غَيْثًا أَوْ كَلَأً، مَتَى وَجَدَهُ أَقَامَ أَوْ رَجَعَ، أَوْ سَائِحًا فِي الْأَرْضِ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ، وَإِنْ سَارَ سَفَرًا أَيَّامًا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ إذَا بَلَغَ مَسَافَةً مُبِيحَةً لَهُ ; لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا طَوِيلًا. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ، كَابْتِدَاءِ سَفَرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُبِحْ الْقَصْرَ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَمْ يُبِحْهُ فِي أَثْنَائِهِ، إذَا لَمْ يُغَيِّرْ نِيَّتَهُ، كَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَمَتَى رَجَعَ هَذَا يَقْصِدُ بَلَدَهُ، أَوْ نَوَى مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَهُ الْقَصْرُ ; لِوُجُودِ نِيَّتِهِ الْمُبِيحَةِ، وَلَوْ قَصَدَ بَلَدًا بَعِيدًا، أَوْ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى وَجَدَ طَلَبَتْهُ دُونَهُ رَجَعَ أَوْ أَقَامَ، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِسَفَرٍ طَوِيلٍ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجِعُ وَلَا يُقِيمُ بِوُجُودِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ.
(1233) فَصْلٌ: وَمَتَى كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ، يُبَاحُ الْقَصْرُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرَ، فَسَلَكَ الْبَعِيدَ لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ فِيهِ، أُبِيحَ لَهُ ; لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا مُبَاحًا، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ أَوْ كَانَ الْآخَرُ مَخُوفًا أَوْ شَاقًّا
(1234) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَ الْإِنْسَانُ إلَى السَّفَرِ مُكْرَهًا، كَالْأَسِيرِ، فَلَهُ الْقَصْرُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ بَعِيدًا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْصُرُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاوٍ لِلسَّفَرِ وَلَا جَازِمٍ بِهِ، فَإِنَّ نِيَّتَهُ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ. وَلَنَا، أَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غَيْر مُحَرَّمٍ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ، كَالْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ، إذَا كَانَ عَزْمُهُمَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَوْ زَالَ مُلْكُهُمَا، رَجَعَ. وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِهَذَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُتِمُّ إذَا صَارَ فِي حُصُونِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى سَفَرُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ ; لِأَنَّ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ، فَأَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ ظُلْمًا.
(1235) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ)
.وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ، وَيَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، أَنَّهُمَا أَبَاحَا الْقَصْرَ فِي الْبَلَدِ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ..
وَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا، فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِمْ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ. وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ، قَالَ: كُنْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرُبَ غِذَاؤُهُ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا