فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ، حَتَّى إذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ، فَلْتَؤُبْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا. وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، وَلَا الْخُرُوجُ لَيْلًا، إلَّا لِضَرُورَةٍ ; لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ، بِخِلَافِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ قَضَاءِ الْحَوَائِج وَالْمَعَاشِ، وَشِرَاءِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا حَقٌّ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِهَا، كَالْيَمِينِ وَالْحَدِّ، وَكَانَتْ ذَاتَ خِدْرٍ، بَعَثَ إلَيْهَا الْحَاكِمُ مَنْ يَسْتَوْفِي الْحَقَّ مِنْهَا فِي مَنْزِلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً جَازَ إحْضَارُهَا لِاسْتِيفَائِهِ، فَإِذَا فَرَغَتْ رَجَعَتْ إلَى مَنْزِلِهَا.
(6398) فَصْلٌ: وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي الْإِحْدَادِ وَالِاعْتِدَادِ فِي الْمَنْزِلِ، إلَّا أَنَّ سُكْنَاهَا فِي الْعِدَّةِ كَسُكْنَاهَا فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا، لِلسَّيِّدِ إمْسَاكُهَا نَهَارًا، وَإِرْسَالُهَا لَيْلًا، فَإِنْ أَرْسَلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، اعْتَدَّتْ زَمَانَهَا كُلَّهُ فِي الْمَنْزِلِ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ سُكْنَاهَا فِيهِمَا كَالْحُرَّةِ سَوَاءٌ.
(6399) فَصْلٌ: وَالْبَدَوِيَّةُ كَالْحَضَرِيَّةِ فِي الِاعْتِدَادِ فِي مَنْزِلهَا الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيهِ، فَإِنْ انْتَقَلْت الْحِلَّةُ، انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ ; لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْمُقَامُ وَحْدَهَا، وَإِنْ انْتَقَلَ غَيْرُ أَهْلِهَا لَزِمَهَا الْمُقَامُ مَعَهُمْ، وَإِنْ انْتَقَلَ أَهْلُهَا انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ الْحِلَّةِ مِنْ لَا تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا مَعَهُمْ، فَتَكُونَ مُخَيَّرَةً بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالرَّحِيلِ. وَإِنْ هَرَبَ أَهْلُهَا فَخَافَتْ هَرَبَتْ مَعَهُمْ، وَإِنْ أَمِنَتْ أَقَامَتْ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ فِي مَنْزِلِهَا.
(6400) فَصْلٌ فَإِنْ: مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَامْرَأَتُهُ فِي السَّفِينَةِ، وَلَهَا مَسْكَنٌ فِي الْبَرِّ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُسَافِرَةِ فِي الْبَرِّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ سِوَاهَا، وَكَانَ فِيهَا بَيْتٌ يُمْكِنُهَا السُّكْنَى فِيهِ، بِحَيْثُ لَا تَجْتَمِعُ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَمْكَنَهَا الْمُقَامُ فِيهِ، بِحَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَعَهَا مَحْرَمُهَا، لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً وَلَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا، أَوْ لَا يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ فِيهَا إلَّا بِحَيْثُ تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ، لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلَى مَوْضِعٍ سِوَاهَا.
(6401) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا، تَتَوَقَّى الطِّيبَ، وَالزِّينَةَ، وَالْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ)
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ ; فَعَنْهُ، يَجِبُ عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} . وَهَذِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْدَادَ إنَّمَا يَجِبُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ ; وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ غَيْرِ وَفَاةٍ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ، كَالرَّجْعِيَّةِ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَلِأَنَّ الْإِحْدَادَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِإِظْهَارِ الْأَسَفِ عَلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا وَمَوْتِهِ، فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ فَارَقَهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، وَقَطَعَ نِكَاحَهَا، فَلَا مَعْنَى لَتَكْلِيفِهَا الْحُزْنَ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدِ، لَحِقَ الزَّوْجَ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَنْفِيه، فَاحْتِيطَ عَلَيْهَا بِالْإِحْدَادِ، لِئَلَّا يَلْحَقَ بِالْمَيِّتِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنَّ زَوْجَهَا بَاقٍ، فَهُوَ يُحْتَاطُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَيَنْفِي وَلَدَهَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ، فَلَزِمَهَا الْإِحْدَادُ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكَاحَ، فَحَرَّمَتْ دَوَاعِيَهُ. وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الرَّجْعِيَّةُ، فَإِنَّهَا زَوْجَةٌ، وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ لَيْسَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ نِكَاحٍ، فَلَمْ تَكْمُلْ