فهرس الكتاب

الصفحة 3543 من 3896

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُهُ، فَلْيَفِ اللَّهَ بِمَا نَذَرَ. فَإِذَا كَفَّرَ، وَكَانَ الْمَنْذُورُ غَيْرَ الصِّيَامِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ.

وَإِنْ كَانَ صِيَامًا. فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُ لِكُلِّ يَوْمٍ إطْعَامُ مِسْكِينٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجَابِهِ عَيْنًا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، كَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ، أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ.

وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ إطْعَامٍ وَلَا غَيْرِهِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ} . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ جَمِيعَ كَفَّارَتِهِ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ عَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ بِهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، كَسَائِرِ النُّذُورِ، وَلِأَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ الْيَمِينِ، إلَّا مَعَ إمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ قُرْبَةً، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ ; لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ صَوْمِ رَمَضَانَ آكَدُ ; بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِيهِ، وَعِظَمِ إثْمِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.

وَالثَّانِي، أَنَّ قِيَاسَ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْمَفْرُوضِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ، فَأَجْزَأَتْ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمَشْرُوعِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِمُطْلَقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْذُورٌ مُعَيَّنٌ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ، كَمَا فِي الْعَجْزِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.

(8179) فَصْلٌ: وَإِنْ عَجَزَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ نَحْوِهِ انْتَظَرَ زَوَالَهُ، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ، فَيُشْبِهُ الْمَرِيضَ فِي شَهْرِ رَمَضَانِ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَجْزُهُ إلَى أَنْ صَارَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، صَارَ إلَى الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ الْمَرْجُوُّ الزَّوَالِ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ، فَاتَ وَقْتُهُ، انْتَظَرَ الْإِمْكَانَ لِيَقْضِيَهُ. وَهَلْ تَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ ; إحْدَاهُمَا، تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَعَجَزَ، وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ هَذَا الشَّهْرَ، فَأَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ. لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، كَذَا هَاهُنَا.

وَالثَّانِيَةُ، لَا تَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِصِيَامٍ أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا لَوْ صَامَ مَا عَيَّنَهُ.

(8180) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ غَيْرَ الصِّيَامِ، فَعَجَزَ عَنْهُ، كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْ لِذَلِكَ بَدَلًا يُصَارُ إلَيْهِ، فَوَجَبْت الْكَفَّارَةُ ; لِمُخَالَفَتِهِ نَذْرَهُ فَقَطْ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لِعَارِضٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصِّيَامِ سَوَاءً، فِيمَا فَصَّلْنَاهُ.

(8181) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا نَذَرَ صِيَامًا، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، وَلَمْ يَنْوِهِ، فَأَقَلُّ ذَلِكَ صِيَامُ يَوْمٍ، وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت