أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيُؤْذِيه، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ.
(6569) فَصْلٌ: وَلَا يُجْبَرُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيه، وَمَا فَضَلَ لِلْعَبْدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، كَالْكِتَابَةِ. وَإِنْ طَلَبَ الْعَبْدُ ذَلِكَ، وَأَبَاهُ السَّيِّدُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ أَيْضًا ; لِمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، جَازَ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ {أَبَا ظَبْيَةَ حَجَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ، وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ} . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ عَلَى رَقِيقِهِمْ خَرَاجًا، فَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ. وَجَاءَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. ثُمَّ يَنْتَظِرُ، فَإِنْ كَانَ ذَا كَسْبٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَفْضُلُ مِنْ كَسْبِهِ عَنْ نَفَقَتِهِ وَخَرَاجِهِ شَيْءٌ، جَازَ، فَإِنَّ لَهُمَا بِهِ نَفْعًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَحْرِصُ عَلَى الْكَسْبِ، وَرُبَّمَا فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ يَزِيدُهُ فِي نَفَقَتِهِ، وَيَتَّسِعُ بِهِ. وَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ نَفَقَتِهِ، لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَلَّفَ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ الْمُخَارَجَةَ، لَمْ يَجُزْ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهُ الْكَسْبَ سَرَقَ، وَلَا تُكَلِّفُوا الْمَرْأَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا الْكَسْبَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا. وَلِأَنَّهُ مَتَى كَلَّفَ غَيْرَ ذِي الْكَسْبِ خَرَاجًا، كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ". وَرُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ.
(6570) فَصْلٌ: وَإِذَا مَرِضَ الْمَمْلُوكُ، أَوْ زَمِنَ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ مَعَ الْعَمَى وَالزَّمَانَةِ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مَعَهُمَا، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
(6571) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إعْفَافُ مَمْلُوكِهِ، إذَا طَلَبَ ذَلِكَ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، كَإِطْعَامِ الْحَلْوَاءِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} . وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْد الطَّلَبِ.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَلَمْ يُزَوِّجْهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا، أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ، فَمَا صَنَعَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ. وَلَوْلَا وُجُوبُ إعْفَافِهِمَا لَمَا لَحِقَ السَّيِّدَ الْإِثْمُ بِفِعْلِهِمَا، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، دَعَا إلَى تَزْوِيجِهِ، فَلَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ غَالِبًا، وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَالنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ الْحَلْوَاءِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهِ، أَوْ تَمْلِيكِهِ أَمَةً يَتَسَرَّاهَا. وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ ; لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُبَاحٌ لِلْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهِ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ، وَفِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا تُعْلَمُ حَاجَتُهُ إلَّا بِطَلَبِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا