فهرس الكتاب

الصفحة 2857 من 3896

كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ. وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا لَمْ يُقِرَّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِ ظُلْمًا، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَالْحَاكِمِ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَسَبِّبُونَ. وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْحَاكِمِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ تَسَبُّبَهُ أَخَصُّ مِنْ تَسَبُّبِهِمْ ; فَإِنَّ حُكْمَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ وَقَتْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاشِرَ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ.

وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الْمُقِرُّ بِالتَّعَمُّدِ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ، وَإِنَّمَا وَكَّلَ فِيهِ، نَظَرْت فِي الْوَكِيلِ ; فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ، وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا، فَهُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْقَتْلِ عَمْدًا ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، فَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(6583) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَفِيهِ الْقَوَدُ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا)

أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعَمْدِ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنهمْ فِي وُجُوبِهِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ خِلَافًا، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ بِعُمُومِهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} . يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ مِنْهُ، شَفَقَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ، فَتَبْقَى الْحَيَاةُ فِي مَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ. وَقِيلَ: إنَّ الْقَاتِلَ تَنْعَقِدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَةِ الْمَقْتُولِ، فَيُرِيدُ قَتْلَهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ. وَيُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ قَبِيلَتِهِ اسْتِيفَاءً، فَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَطْعٌ لِسَبَبِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ.

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} . الْآيَةَ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ; إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ {: مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ، أَوْ خَبَلٍ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ ; فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ; أَنْ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ: {فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ; أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ، أَوْ يَقْتُلُوا} .

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: الْعَمْدُ قَوَدٌ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ} . وَفِي لَفْظٍ: {مَنْ قَتَلَ عَامِدًا، فَهُوَ قَوَدٌ} ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: {مَنْ قَتَلَ عَامِدًا، فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ} . وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ. يَعْنِي إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءُ يَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ، فَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَلَبِهِ، وَلَوْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، لَمْ يَكُنْ لِشُرَكَائِهِ الْقِصَاصُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَيَخْتَارَ الْقِصَاصَ، أَوْ يُوَكِّلَ، وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ وَيَخْتَارَاهُ. وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا. يَعْنِي مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ، فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا. اُشْتُرِطَ كَوْنُ الْمَقْتُولِ حُرًّا مُسْلِمًا لِتَتَحَقَّقَ الْمُكَافَأَةُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يُكَافِئُ الْمُسْلِمَ، وَالْعَبْدَ لَا يُكَافِئُ الْحُرَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت