وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا صِفَتِهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَنِي. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى النَّدْبِ، دُونَ الْإِيجَابِ ; لِأَنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذَا قَالَ: أَكْفُرُ بِاَللَّهِ، أَوْ أُشْرِكُ بِاَللَّهِ. فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذَا حَنِثَ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ. فِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا، فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَقَالَ: {عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ} . أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَلِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُوجِبُ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ، فَكَانَ الْحَلِفُ يَمِينًا، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، فَإِنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ نَصٌّ، وَلَا هِيَ فِي قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لِاسْمِهِ، وَإِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَلَا تَتَحَقَّقُ التَّسْوِيَةُ.
(7967) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَالزِّنَى إنْ فَعَلَ. ثُمَّ حَنِثَ، أَوْ قَالَ: هُوَ يَسْتَحِلُّ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الزَّكَاةِ. فَهُوَ كَالْحَلِفِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ ذَلِكَ يُوجِبُ الْكُفْرَ. وَإِنْ قَالَ: عَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَنِي، أَوْ فِي كُلِّ مَا افْتَرَضَ عَلَيَّ، أَوْ مَحَوْت الْمُصْحَفَ، أَوْ أَنَا أَسْرِقُ، أَوْ أَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إنْ فَعَلْت. وَحَنِثَ، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّ هَذَا دُونَ الشِّرْكِ، وَإِنْ قَالَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ، أَوْ أَقْطَعَ يَدَهُ، أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ، إنْ فَعَلَ. ثُمَّ حَنِثَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَاللَّيْثُ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا قَالَ: عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: مَحَوْت الْمُصْحَفَ. وَإِنْ قَالَ: لَا يَرَانِي اللَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا إنْ فَعَلْت. وَحَنِثَ. فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ; لِأَنَّ إيجَابَهَا فِي هَذَا وَمِثْلِهِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ.
(7968) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ قَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(7969) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (أَوْ بِتَحْرِيمِ مَمْلُوكِهِ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت. وَفَعَلَ، أَوْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت. ثُمَّ فَعَلَ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ كَفَّرَ. وَإِنْ قَالَ: هَذَا الطَّعَامُ حَرَامٌ عَلَيَّ. فَهُوَ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِهِ. وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ،، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِيمَنْ قَالَ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ: يَمِينٌ مِنْ الْأَيْمَانِ، يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ يَمِينٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ. وَعَنْ