فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 3896

فَصْلٌ: فَإِنْ بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْهُ التُّرَابُ، أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِمَا، مَا لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ، فَإِنْ فَصَلَ رَاحَتَهُ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ، جَازَ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا. وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا غُبَارٌ، احْتَاجَ إلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى. وَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوَجْهِ مَسَحَهُ، وَأَعَادَ مَسْحَ يَدَيْهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. وَإِنْ تَطَاوَلَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ. وَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عَلَيْهَا. وَالْحُكْمُ فِي التَّسْمِيَةِ كَالْحُكْمِ فِي التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ، مَا مَضَى مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ.

(365) فَصْلٌ: وَيَجِبُ مَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ السَّارِقُ، أَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّيَمُّمِ، فَأَوْمَأَ إلَى كَفِّهِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ، وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . مِنْ أَيْنَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ ؟ أَلَيْسَ مِنْ هَاهُنَا ؟ وَأَشَارَ إلَى الرُّسْغِ. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذَا، فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ أَقْطَعَ مِنْ فَوْقِ الرُّسْغِ سَقَطَ مَسْحُ الْيَدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِهِ مَسَحَ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِفْصَلِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَمْسَحُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ. قَالَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّ الرُّسْغَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، فَكَمَا أَنَّهُ إذَا قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، غَسَلَ مَا بَقِيَ، كَذَا هَاهُنَا يَمْسَحُ الْعَظْمَ الْبَاقِيَ.

وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ الْفَرْضُ ; لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْكَفُّ الَّذِي يُؤْخَذُ فِي السَّرِقَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ التُّرَابِ عَلَيْهِ. وَمَسْحُ الْعَظْمِ الْبَاقِي مَعَ بَقَاءِ الْكَفِّ إنَّمَا كَانَ ضَرُورَةَ اسْتِيعَابِ الْوَاجِبِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، فَإِذَا زَالَ الْأَصْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ، سَقَطَ مَا وَجَبَ لِضَرُورَتِهِ، كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ غَسْلُ الْوَجْهِ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الصِّيَامُ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ.

(366) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْصَلَ التُّرَابَ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ آلَتَهُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ. وَإِنْ مَسَحَ مَحَلَّ الْفَرْضِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ بِبَعْضِ يَدِهِ، أَجْزَأَهُ، إذْ كَانَتْ يَدُهُ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا. وَإِنْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ جَازَ، كَمَا لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي الْمُتَيَمِّمِ دُونَ الْمُيَمِّمِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الْإِجْزَاءُ وَالْمَنْعُ بِهِ.

(367)مَسْأَلَةٌ: قَالَ:(وَإِنْ كَانَ مَا ضَرَبَ بِيَدَيْهِ غَيْرَ طَاهِرٍ لَمْ يُجْزِهِ)

لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: إنْ تَيَمَّمَ بِتُرَابِ الْمَقْبَرَةِ وَصَلَّى، مَضَتْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} . وَالنَّجِسُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ ; وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ طَاهِرٍ، كَالْوُضُوءِ، فَأَمَّا الْمَقْبَرَةُ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُنْبَشْ، فَتُرَابُهَا طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ نَبْشُهَا وَالدَّفْنُ فِيهَا تَكَرَّرَ، لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا ; لِاخْتِلَاطِهِ بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهِمْ. وَإِنْ شَكَّ فِي تَكَرُّرِ الدَّفْنِ فِيهَا، أَوْ فِي نَجَاسَةِ التُّرَابِ الَّذِي تَيَمَّمَ بِهِ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ.

(368) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ جَمَاعَةٌ مِنْ حَوْضٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت