مِنْ جِنْسٍ، فَتَدَاخَلَتْ، كَالْحُدُودِ مِنْ جِنْسٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَحَالُّهَا، بِأَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ يَزْنِيَ بِنِسَاءٍ. وَلَنَا، أَنَّهُنَّ أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إحْدَاهُنَّ بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى، فَلَمْ تَتَكَفَّرْ إحْدَاهُمَا بِكَفَّارَةِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى، وَكَالْأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ الْكَفَّارَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَيْمَانَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ; فَإِنَّهُ مَتَى حَنِثَ فِي إحْدَاهُمَا كَانَ حَانِثًا فِي الْأُخْرَى، فَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ وَاحِدًا، كَانَتْ الْكَفَّارَةُ وَاحِدَةً، وَهَا هُنَا تَعَدَّدَ الْحِنْثُ، فَتَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَاتُ، وَفَارَقَ الْحُدُودَ ; فَإِنَّهَا وَجَبَتْ لِلزَّجْرِ، وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهَا رُبَّمَا أَفْضَتْ إلَى التَّلَفِ، فَاجْتُزِئَ بِأَحَدِهَا، وَهَا هُنَا الْوَاجِبُ إخْرَاجُ مَالٍ يَسِيرٍ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا يَلْزَمُ الضَّرَرُ الْكَثِيرُ بِالْمُوَالَاةِ فِيهِ، وَلَا يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ.
(7980) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِيَمِينَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْكَفَّارَةِ، لَزِمَتْهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَمِينَيْنِ كَفَّارَتُهَا)
هَذَا مِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَبِالظِّهَارِ، وَبِعِتْقِ عَبْدِهِ، فَإِذَا حَنِثَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ ; لِأَنَّ تَدَاخُلَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، كَالْحُدُودِ مِنْ جِنْسٍ، وَالْكَفَّارَاتُ هَاهُنَا أَجْنَاسٌ، وَأَسْبَابُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ.
(7981) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ بِحَقِّ الْقُرْآنِ، لَزِمَتْهُ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)
نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ. وَعَنْهُ، أَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ; لِأَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا، وَتَكَرُّرَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْحَلِفُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْلَى أَنْ تُجْزِئَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٍ، فَمَنْ شَاءَ بَرَّ، وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ} . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَلَمْ نَعْرِفْ مُخَالِفًا لَهُ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا. قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ، فِي كُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَرَدُّهُ إلَى وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْعَجْزِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَكَلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَالِاحْتِيَاطِ لِكَلَامِ اللَّهِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ، كَمَا أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً حِينَ حَلَفَتْ بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} . وَهَذِهِ يَمِينٌ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ تُوجِبْ كَفَّارَاتٍ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ إيجَابَ كَفَّارَاتٍ بِعَدَدِ الْآيَاتِ يُفْضِي إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ