فهرس الكتاب

الصفحة 3454 من 3896

وَاحِدٍ، مِثْلَ إنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا. فَحَنِثَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ.

وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعُرْوَةُ، وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، فِيمَنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَكَفَالَتُهُ. ثُمَّ حَنِثَ: فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَيْهِ بِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّأْكِيدَ وَالتَّفْهِيمَ. وَنَحْوُهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِنَا، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ كَقَوْلِهِمْ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أَسْبَابَ الْكَفَّارَاتِ تَكَرَّرَتْ، فَتُكَرَّرُ الْكَفَّارَاتُ، كَالْقَتْلِ لِآدَمِيٍّ، وَصَيْدِ حَرَمِيٍّ. وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ مِثْلُ الْأُولَى، فَتَقْتَضِي مَا تَقْتَضِيهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ حِنْثٌ وَاحِدٌ أَوْجَبَ جِنْسًا وَاحِدًا مِنْ الْكَفَّارَاتِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ، كَمَا لَوْ قَصْدَ التَّأْكِيدَ وَالتَّفْهِيمَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا أَسْبَابٌ تَكَرَّرَتْ. لَا نُسَلِّمُهُ ; فَإِنَّ السَّبَبَ الْحِنْثُ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَيَنْتَقِضُ بِمَا إذَا تَكَرَّرَ الْوَطْءُ فِي رَمَضَانَ فِي أَيَّامٍ، وَبِالْحُدُودِ إذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُهَا، فَإِنَّهَا كَفَّارَاتٌ، وَبِمَا إذَا قَصْدَ التَّأْكِيدَ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بَدَلٌ، وَلِذَلِكَ تَزْدَادُ بِكِبَرِ الصَّيْدِ، وَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، فَهِيَ كَدِيَةِ الْقَتِيلِ، وَلَا عَلَى كَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ ; لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْبَدَلِ أَيْضًا لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَمَّا أَتْلَفَ آدَمِيًّا عَابِدًا لِلَّهِ تَعَالَى، نَاسَبَ أَنْ يُوجِدَ عَبْدًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمَّا عَجَزَ عَنْ الْإِيجَادِ، لَزِمَهُ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ إيجَادٌ لِلْعَبْدِ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ وَشُغْلِهَا، إلَى فَرَاغِ الْبَالِ لِلْعِبَادَةِ بِالْحُرِّيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِالْإِعْتَاقِ.

ثُمَّ الْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ السَّبَبَ هَاهُنَا تَكَرَّرَ بِكَمَالِهِ وَشُرُوطِهِ، وَفِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحِنْثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّبَبَ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ شَرْطًا لَهُ، بِدَلِيلِ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى وُجُودِهِ، وَأَيًّا مَا كَانَ، فَلَمْ يَتَكَرَّرْ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِلْحَاقُ ثَمَّ، وَإِنْ صَحَّ الْقِيَاسُ، فَقِيَاسُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى مِثْلِهَا، أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْقَتْلِ ; لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا.

(7979) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت، وَلَا شَرِبْت، وَلَا لَبِسْت. فَحَنِثَ فِي الْجَمِيعِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ، وَالْحِنْثَ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَحْنَثُ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ. وَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَجْنَاسٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلَتْ، وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت، وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت. فَحَنِثَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا ثُمَّ حَنِثَ فِي يَمِينٍ أُخْرَى، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا أَيْضًا خِلَافًا ; لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الثَّانِيَةِ تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ عَنْ الْأُولَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ فَكَفَّرَ، ثُمَّ وَطِئَ مَرَّةً أُخْرَى. وَإِنْ حَنِثَ فِي الْجَمِيعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ.

هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَرَوَاهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَرَوَاهَا ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ كَفَّارَةً وَاحِدَةً تُجْزِئُهُ.

وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ; لِأَنَّهَا كَفَّارَاتٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت