رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ. قَالَ زُهَيْرٌ قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ، مَا الْمُقَابَلَةُ ؟ قَالَ يُقْطَعُ طَرَفُ الْأُذُنِ. قُلْت: فَمَا الْمُدَابَرَةُ ؟ قَالَ يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْأُذُنِ. قُلْت: فَمَا الشَّرْقَاءُ ؟ قَالَ: تُشَقُّ الْأُذُنُ. قُلْت: فَمَا الْخَرْقَاءُ ؟ قَالَ: تَشُقُّ أُذُنَهَا السِّمَةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. قَالَ الْقَاضِي: الْخَرْقَاءُ الَّتِي انْثَقَبَتْ أُذُنُهَا. وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ إذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
(7866) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ أَوْجَبَهَا سَلِيمَةً، فَعَابَتْ عِنْدَهُ، ذَبَحَهَا، وَكَانَتْ أُضْحِيَّةً)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً صَحِيحَةً سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ، ثُمَّ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، ذَبَحَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئْهُ ; لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ عِنْدَهُمْ وَاجِبَةٌ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِإِرَاقَةِ دَمِهَا سَلِيمَةً، كَمَا لَوْ أَوْجَبَهَا فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ عَيَّنَهَا، فَعَابَتْ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: {ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّي بِهِ، فَأَصَابَ الذِّئْبُ مِنْ أَلْيَتِهِ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنَا أَنْ نُضَحِّيَ بِهِ.} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ بِمُعَالَجَةِ الذَّبْحِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهَا. فَأَمَّا إنْ تَعَيَّبَتْ بِفِعْلِهِ، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا عَالَجَ ذَبْحَهَا، فَقَلَعَتْ السِّكِّينُ عَيْنَهَا، أَجْزَأَتْ، اسْتِحْسَانًا. وَلَنَا، أَنَّهُ عَيْبٌ أَحْدَثَهُ بِهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا، فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ مُعَالَجَةِ الذَّبْحِ.
(7867) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ عَيَّنَهَا فِي شَاةٍ، تَعَيَّنَتْ، فَإِنْ عَابَتْ تِلْكَ الشَّاةُ قَبْلَ ذَبْحِهَا، لَمْ تُجْزِئْ ; لِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَا تَبْرَأُ إلَّا بِذَبْحِ شَاةٍ سَلِيمَةٍ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ، فَاشْتَرَاهَا، ثُمَّ عَابَتْ عِنْدَهُ، لَمْ تُجْزِئْهُ، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ هَذَا الْعَبْدِ فَعَابَ، أَجْزَأَ عَنْهُ.
(7868) فَصْلٌ: إذَا أَتْلَفَ الْأُضْحِيَّةَ الْوَاجِبَةَ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ أَتْلَفَهَا، فَإِنْ غَلَتْ الْغَنَمُ، فَصَارَ مِثْلُهَا خَيْرًا مِنْ قِيمَتِهَا، فَقَالَ: أَبُو الْخَطَّابِ: يَلْزَمُهُ مِثْلُهَا ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي ذَبْحِهَا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَعَيَّبْ، بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقِيمَةُ يَوْمَ إتْلَافِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ إتْلَافٌ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْإِتْلَافِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ، وَكَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ. فَإِنْ رَخُصَتْ الْغَنَمُ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى مِثْلِهَا، مِثْلَ أَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَ إتْلَافِهَا عَشَرَةً، فَصَارَتْ قِيمَةُ مِثْلِهَا خَمْسَةً، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، وَجْهًا وَاحِدًا، فَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا أُضْحِيَّةً وَاحِدَةً تُسَاوِي عَشَرَةً، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْعَشَرَةِ مَا لَا يَجِيءُ بِهِ أُضْحِيَّةٌ، اشْتَرَى بِهِ شِرْكًا فِي بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِذَلِكَ، أَوْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْمُشَارَكَةُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَشْتَرِي لَحْمًا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ; لِأَنَّ الذَّبْحَ وَتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودَانِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ.
وَالثَّانِي، يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، كَانَ اللَّحْمُ وَثَمَنُهُ سَوَاءً. فَإِنْ كَانَ الْمُتْلِفُ أَجْنَبِيًّا،