فهرس الكتاب

الصفحة 3097 من 3896

الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ. فَهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَخَّرُ، بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ، كَالْقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وَشِمْرَاخِ النَّخْلِ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، جُمِعَ ضِغْثٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَأَنْكَرَ مَالِكٌ هَذَا، وَقَالَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . وَهَذَا جَلْدَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، {عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَهَشَّ لَهَا، فَوَقَعَ بِهَا، فَسُئِلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، أَوْ لَا يُقَامَ أَصْلًا، أَوْ يُضْرَبَ ضَرْبًا كَامِلًا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَا يَجُوزُ جَلْدُهُ جَلْدًا تَامًّا ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إتْلَافِهِ، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَوْلُهُمْ: هَذَا جَلْدَةٌ وَاحِدَةٌ. قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعُذْرِ مَقَامَ مِائَةٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ أَيُّوبَ: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} . وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ حَدِّهِ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ قَتْلِهِ بِمَا لَا يُوجِبُ الْقَتْلَ.

(7150) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زَنَى الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، جُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ جَلْدَةً، وَلَمْ يُغَرَّبَا)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ خَمْسُونَ جَلْدَةً بِكْرَيْنِ كَانَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إنْ كَانَا مُزَوَّجَيْنِ فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الْحَدِّ، وَلَا حَدَّ عَلَى غَيْرِهِمَا ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} . فَدَلِيلُ خِطَابِهِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنَاتِ.

وَقَالَ دَاوُد عَلَى الْأَمَةَ نِصْفُ الْحَدِّ إذَا زَنَتْ بَعْدَمَا زُوِّجَتْ، وَعَلَى الْعَبْدِ جَلْدُ مِائَةٍ بِكُلِّ حَالٍ، وَفِي الْأَمَةِ إذَا لَمْ تُزَوَّجْ رِوَايَتَانِ ; ؟ إحْدَاهُمَا، لَا حَدَّ عَلَيْهَا. وَالْأُخْرَى، تُجْلَدُ مِائَةً ; لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . عَامٌّ، خَرَجَتْ مِنْهُ الْأَمَةُ الْمُحْصَنَةُ بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} . فَيَبْقَى الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الَّتِي لَمْ تُحْصَنْ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.

وَيَحْتَمِلُ دَلِيلُ الْخِطَابِ فِي الْأَمَةِ أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا لَمْ يُحْصَنَا بِالتَّزْوِيجِ، فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الْحَدِّ، وَإِنْ أُحْصِنَا فَعَلَيْهِمَا الرَّجْمُ ; لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَبَعَّضُ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهُ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَسُئِلَ، قَالُوا: {سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: إذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَهَذَا نَصٌّ فِي جَلْدِ الْأَمَةِ إذَا لَمْ تُحْصَنْ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُوَافِقِيهِ وَدَاوُد.

وَجَعْلُ دَاوُد عَلَيْهَا مِائَةً إذَا لَمْ تُحْصَنْ، وَخَمْسِينَ إذَا كَانَتْ مُحْصَنَةً، خِلَافُ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ ضَاعَفَ عُقُوبَةَ الْمُحْصَنَةِ عَلَى غَيْرِهَا، فَجَعَلَ الرَّجْمَ عَلَى الْمُحْصَنَةِ، وَالْجَلْدَ عَلَى الْبِكْرِ وَدَاوُد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت