فهرس الكتاب

الصفحة 3753 من 3896

الْبَيْعَ لَا يَسْرِي فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ، وَالْعِتْقُ يَسْرِي، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدِهِ، لَمْ يَسْرِ، وَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ، عَتَقَ كُلُّهُ.

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَكُونُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ مِنْ مَالِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ} .

وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَ مَنْ يَرَى عِتْقَهُ عَلَيْهِ.

(8578) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ كَوْنِ الشُّرَكَاءِ مُسْلِمِينَ أَوْ كَافِرِينَ، أَوْ بَعْضُهُمْ مُسْلِمًا، وَبَعْضُهُمْ كَافِرًا.

ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي الْكَافِرِ وَجْهٌ، أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ لَا يَسْرِي إلَى بَاقِيه، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا.

وَلَنَا عُمُومُ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْغَرَضُ هَاهُنَا تَكْمِيلُ الْعِتْقِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ دُونَ التَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَاهُنَا تَمْلِيكًا، لَكَانَ تَقْدِيرًا فِي أَدْنَى زَمَانٍ، حَصَلَ ضَرُورَةَ تَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ، فَإِنْ قُدِّرَ فِيهِ ضَرَرٌ، فَهُوَ مَغْمُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ الْعِتْقِ، فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، وَقِيَاسُ هَذَا عَلَى الشِّرَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(8579) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ أَعْتَقَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا فِيهِ عِتْقٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِعِتْقِ الْأَوَّلِ لَهُ)

يَعْنِي أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي إلَى جَمِيعِهِ بِاللَّفْظِ، لَا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَيَعْتِقُ كُلُّهُ حِينَ لَفَظَ بِالْعِتْقِ وَيَصِيرُ حُرًّا، وَتَسْتَقِرُّ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ، فَلَا يَعْتِقُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِتْقِ غَيْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، فِي قَوْلٍ: لَا يَعْتِقُ إلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِغَيْرِ الْعِتْقِ. وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاحْتَجُّوا بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ} . وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: {فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ يَعْتِقُ} . فَجَعَلَهُ عَتِيقًا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا ثَبَتَ بِعِوَضٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مُطْلَقًا، لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِالْأَدَاءِ، كَالْمُكَاتَبِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ، أَنَّ الْعِتْقَ مُرَاعًى، فَإِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ عَتَقَ مِنْ حِينَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الْقِيمَةَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَتَقَ ; لِأَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لَهُمَا جَمِيعًا.

وَلَنَا. حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَجْتَمِعُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ بِاللَّفْظِ، فَمِنْهَا، لَفْظٌ رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ:"فَكَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ". وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ:"وَكَانَ لِلَّذِي يُعْتِقُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَهُوَ يَعْتِقُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت