فهرس الكتاب

الصفحة 3754 من 3896

كُلُّهُ". وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ} . وَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ حُرًّا وَعَتِيقًا بِإِعْتَاقِهِ، مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ مُوسِرًا. وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِالسِّرَايَةِ، فَكَانَتْ حَاصِلَةً عَقِيبَ لَفْظِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبِيدِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فِيهِ بِغَيْرِ الْإِعْتَاقِ."

وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَا يَنْفُذُ بِالْإِعْتَاقِ أَيْضًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ فِيهِ بِالْإِعْتَاقِ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; فَإِنَّ"الْوَاوَ"لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَأَمَّا الْعَطْفُ بِ"ثُمَّ"فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ، لَمْ يُرِدْ بِهَا التَّرْتِيبَ، فَإِنَّهَا قَدْ تَرِدُ لِغَيْرِ التَّرْتِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} . وَأَمَّا الْعِوَضُ، فَإِنَّمَا وَجَبَ عَنْ الْمُتْلَفِ بِالْإِعْتَاقِ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِهِ بِقِيمَتِهِ حِينَ الْإِعْتَاقِ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِ التَّرَاضِي فِيهِ، وَوُجُوبِ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ وَكْسٍ وَلَا شَطَطٍ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَعْتَقَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا فِيهِ عِتْقٌ، وَلَا لَهُمَا عَلَيْهِ وَلَاءٌ، وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقِهِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيمَةِ.

وَلَوْ أَنَّ الْمُعْتِقَ الْأَوَّلَ لَمْ يُؤَدِّ الْقِيمَةَ حَتَّى أَفْلَسَ، عَتَقَ الْعَبْدُ، وَكَانَتْ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا، يُزَاحِمُ بِهَا الشَّرِيكَانِ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إلَّا مَا عَتَقَ. وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَقُ جَارِيَةً حَامِلًا، فَلَمْ تُؤَدَّ الْقِيمَةُ حَتَّى وَضَعَتْ حَمْلَهَا، فَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتِقِ إلَّا قِيمَتُهَا ; حِينَ أَعْتَقَهَا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَرَّرَهَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ، يُقَوَّمُ وَلَدُهَا أَيْضًا. وَلَوْ تَلِفَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، مَاتَ حُرًّا، وَالْقِيمَةُ عَلَى الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهُ. وَعِنْدَ مَالِكٍ، لَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ، مَا لَمْ يُقَوَّمْ، وَيُحْكَمْ بِقِيمَتِهِ، فَهُوَ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ عَبْدٌ.

(8580) فَصْلٌ: وَالْقِيمَةُ مُعْتَبَرَةٌ حِينَ اللَّفْظِ بِالْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ حِينُ الْإِتْلَافِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. وَلِلشَّرِيكِ مُطَالَبَةُ الْمُعْتِقِ بِالْقِيمَةِ، عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهَا، رُجِعَ إلَى قَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ. فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ مَاتَ، أَوْ غَابَ، أَوْ تَأَخَّرَ تَقْوِيمُهُ زَمَنًا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْقِيَمُ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهَا. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.

وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي صِنَاعَةٍ فِي الْعَبْدِ تُوجِبُ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ; لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ يُحْسِنُ الصِّنَاعَةَ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّنَا عَلِمْنَا صِدْقَهُ. وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ حُدُوثُهَا فِيهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ. وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ، وَعَدَمُ الْحُدُوثِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ يَنْقُصُ الْقِيمَةَ ; كَسَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، فَبِالْجِهَةِ الَّتِي رَجَّحْنَا قَوْلَ الْمُعْتِقِ فِي نَفْيِ الصِّنَاعَةِ، نُرَجِّحُ قَوْلَ الشَّرِيكِ فِي نَفْيِ الْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِيهِ حَالَ الِاخْتِلَافِ، وَاخْتَلَفَا فِي حُدُوثِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَبَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَعَدَمُ حُدُوثِ الْعَيْبِ فِيهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْعَيْبِ حِينَ الْإِعْتَاقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت