فَإِنْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُجِيبَ، وَلَا يَجْعَلُهُ بِذَلِكَ نَاكِلًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ: إنْ أَجَبْت، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا، وَحَكَمْت عَلَيْك. وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا جَعَلَهُ نَاكِلًا، وَحَكَمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ نَاكِلٌ عَمَّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِيهِ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْهُ، كَالْيَمِينِ.
(8278) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ فَكَتَبَ بِإِنْفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، قَبِلَ كِتَابَهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ)
ثُمَّ الْأَصْلُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ إلَى الْأَمِيرِ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ; أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُو عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} .
وَأَمَّا السُّنَّةُ، {فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَالنَّجَاشِيِّ، وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ، وَكَانَ يَكْتُبُ إلَى وُلَاتِهِ، وَيَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَسُعَاتِهِ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ إلَى قَيْصَرَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ، أَمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا، فَإِنْ تَوَلَّيْت، فَإِنَّ عَلَيْك إثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} .
وَرَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ {كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا} . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى قَبُولِهِ دَاعِيَةٌ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ إتْيَانُهُ، وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ، إلَّا بِكِتَابِ الْقَاضِي، فَوَجَبَ قَبُولُهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ كِتَابَ الْقَاضِي يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ، كَحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى. وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا هَذَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُقْبَلُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ، مِنْ الْجِرَاحِ وَغَيْرِهَا، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ يُذْكَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْكِتَابُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكْتُبَ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ، فَيَغِيبَ قَبْلَ إيفَائِهِ، أَوْ يَدَّعِيَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ، وَيُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً، وَيَسْأَلَ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ، وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْغَائِبُ، فَيَكْتُبَ لَهُ إلَيْهِ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ، فَيَهْرُبَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ.
فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ إلَى الْكِتَابَةِ، وَيَلْزَمُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ، حَتَّى