فهرس الكتاب

الصفحة 3595 من 3896

الدَّعْوَى، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ الدَّعْوَى الَّتِي أَبْرَأَهُ فِيهَا مِنْ الْيَمِينِ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ الدَّعْوَى، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ يَمِينًا أُخْرَى، لَا فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ.

وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِجَمَاعَةٍ فَرَضُوا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، جَازَ، وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُمْ بِالْيَمِينِ ; لِأَنَّهَا حَقُّهُمْ ; وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ وَاحِدَةٍ لِجَمَاعَةٍ، جَازَ سُقُوطُهُ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ حَتَّى يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.

وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِهَا اثْنَانِ، صَارَتْ الْحُجَّةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصَةً، وَالْحُجَّةُ النَّاقِصَةُ لَا تَكْمُلُ بِرِضَى الْخَصْمِ، كَمَا لَوْ رَضِيَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَإِذَا رَضِيَا بِهِ، جَازَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رِضَاهُمَا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الْيَمِينِ، كَمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إذَا قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ وَاحِدَةٌ، لَا يَكُونُ لِكُلِّ حَقٍّ بَعْضُ الْبَيِّنَةِ، فَأَمَّا إنْ حَلَّفَهُ لِجَمِيعِهِمْ يَمِينًا وَاحِدَةً بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، لَمْ تَصِحَّ يَمِينُهُ. بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.

وَقَدْ حَكَى الْإِصْطَخْرِيُّ، أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ، حَلَّفَ رَجُلًا بِحَقِّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً، فَخَطَّأَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ. وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ.

قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: لَك يَمِينُهُ، فَإِنْ شِئْت فَاسْتَحْلِفْهُ، وَإِنْ شِئْت أَخَّرْته إلَى أَنْ تُحْضِرَ بَيِّنَتَك، وَلَيْسَ لَك مُطَالَبَتُهُ بِكَفِيلٍ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ حَتَّى تُحْضِرَ الْبَيِّنَةَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ} . فَإِنْ أَحْلَفَهُ، ثُمَّ حَضَرَتْ بَيِّنَتُهُ، حَكَمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنْ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْبَيِّنَةُ بَطَلَتْ الْيَمِينُ، وَتَبَيَّنَ كَذِبُهَا.

وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَأُرِيدُ يَمِينَهُ ثُمَّ أُقِيمُ بَيِّنَتِي. لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَسْتَحْلِفُهُ، وَإِنْ نَكِلَ قَضَى عَلَيْهِ ; لِأَنَّ فِي الِاسْتِحْلَافِ فَائِدَةً، وَهُوَ أَنَّهُ رُبَّمَا نَكِلَ، فَقَضَى عَلَيْهِ، فَأَغْنَى عَنْ الْبَيِّنَةِ.

وَلَنَا، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ} . وَ"أَوْ"لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ فَصْلُ الْخُصُومَةِ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يُشْرَعْ غَيْرُهَا مَعَ إرَادَةِ الْمُدَّعِي إقَامَتَهَا وَحُضُورَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَهُ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ، فَلَمْ يَجِبْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُبْدَلِهَا، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا، وَإِنَّمَا أُرِيدُ يَمِينَهُ أَكْتَفِي بِهَا.

اسْتَحْلَفَ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حَقُّهُ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهَا، وَتَرْكِ إقَامَتِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، كَنَفْسِ الْحَقِّ. فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي إقَامَةَ بَيِّنَتِهِ، فَهَلْ يَمْلِكُ ذَلِكَ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِحْلَافِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً.

وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ إقَامَتِهَا، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ إقَامَتِهَا، يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا. لِيَحْلِفَ خَصْمُهُ، ثُمَّ يُقِيمُهَا. فَإِنْ كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمْوَالِ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَسْتَحِقُّ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَحْلِفُ أَنَا، وَأَرْضَى بِيَمِينِهِ. اسْتَحْلَفَ لَهُ، فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَ الْحَقُّ عَنْهُ، فَإِنْ عَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَهَا، فَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي. لَمْ يَسْتَحْلِفْ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ.

ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ فِعْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ. وَإِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَبَذَلَ الْيَمِينَ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ لَهُ: إنْ حَلَفْت، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا، وَقَضَيْت عَلَيْك. ثَلَاثًا، فَإِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت