فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ بِهِ لِجَهْلِهِ، فَيَضِيعُ حَقُّهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، إنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ فَقَالَ: اُحْكُمْ لِي. حَكَمَ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَلْزَمْتُك ذَلِكَ، أَوْ قَضَيْت عَلَيْك لَهُ. أَوْ يَقُولَ: اُخْرُجْ لَهُ مِنْهُ. فَمَتَى قَالَ لَهُ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، كَانَ حُكْمًا بِالْحَقِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَقَالَ: لَا حَقَّ لَك قِبَلِي. فَهَذَا مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ لِمَا رُوِيَ {أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; حَضْرَمِيٌّ وَكِنْدِيٌّ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي، وَفِي يَدِي، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ} . وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
.وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَارِفًا بِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ، فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ وَبَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً، لَمْ يَقُلْ لَهُ الْحَاكِمُ: أَحْضِرْهَا. لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى.
وَإِذَا أَحْضَرَهَا لَمْ يَسْأَلْهَا الْحَاكِمُ عَمَّا عِنْدَهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَسْأَلُهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهَا، قَالَ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلْيَذْكُرْهَا، إنْ شَاءَ ؟ وَلَا يَقُولُ لَهُمَا: اشْهَدَا. لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ: مَا أَنَا دَعَوْتُكُمَا، وَلَا أَنْهَاكُمَا أَنْ تَرْجِعَا، وَمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ غَيْرُكُمَا، وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا مَا يُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِمَا، رَدَّهَا. كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدٌ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مَخْرُوطُ الْكُمَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: أَتُحْسِنُ أَنْ تَتَوَضَّأَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاحْسُرْ عَنْ ذِرَاعَيْك. فَذَهَبَ يَحْسُرُ عَنْهُمَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: قُمْ، فَلَا شَهَادَةَ لَك.
وَإِنْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَا: بَلَغَنَا أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا، أَوْ سَمِعْنَا ذَلِكَ. رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا. وَشَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ. فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ ؟ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ. قَالَ أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ. قَالَ: قُمْ، لَا شَهَادَةَ لَك.
وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةً صَحِيحَةً، وَعَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمْ، قَالَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ: قَدْ شَهِدَا عَلَيْك، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكِ مَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمَا، فَبَيِّنِهِ عِنْدِي.
فَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ، أَنْظِرْهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ. فَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ حَكَمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ وَضَحَ عَلَى وَجْهٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَإِنْ ارْتَابَ بِشَهَادَتِهِمْ، فَرَّقَهُمْ، فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَنْ شَهَادَتِهِ وَصِفَتِهَا، فَيَقُولُ: كُنْت أَوَّلَ مَنْ شَهِدَ، أَوْ كَتَبْت، أَوْ لَمْ تَكْتُبْ، وَفِي أَيِّ مَكَان شَهِدْت، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ، وَأَيِّ يَوْمٍ ؟ وَهَلْ كُنْت وَحْدَك، أَوْ مَعَك غَيْرُك ؟ فَإِنْ اخْتَلَفُوا، سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ اتَّفَقُوا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ.
وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ هَذَا دَنْيَالُ. وَيُقَالُ: فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ صَغِيرٌ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ سَبْعَةَ نَفَرٍ خَرَجُوا، فَفُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَأَتَتْ زَوْجَتُهُ عَلِيًّا، فَدَعَا السِّتَّةَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَأَنْكَرُوا، فَفَرَّقَهُمْ، وَأَقَامَ كُلَّ وَاحِدٍ عِنْدَ سَارِيَةٍ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَدَعَا وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَسَأَلَهُ فَأَنْكَرَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. فَظَنَّ الْبَاقُونَ أَنَّهُ قَدْ اعْتَرَفَ، فَدَعَاهُمْ فَاعْتَرَفُوا، فَقَالَ لِلْأَوَّلِ: قَدْ شَهِدُوا عَلَيْك، وَأَنَا قَاتِلُك. فَاعْتَرَفَ، فَقَتَلَهُمْ.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُمَا، بَحَثَ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمَا، قَالَ لِلْمُدَّعِي: زِدْنِي شُهُودًا. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَك يَمِينَهُ.
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي ; لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةِ مُسْتَحَقِّهَا، كَنَفْسِ الْحَقِّ. فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، أَوْ بَادَرَ الْمُنْكِرُ فَحَلَفَ، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ. لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا.
وَإِذَا سَأَلَهَا الْمُدَّعِي، أَعَادَهَا لَهُ ; لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ يَمِينَهُ. وَإِنْ أَمْسَكَ الْمُدَّعِي عَنْ إحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادَ إحْلَافَهُ بِالدَّعْوَى الْمُتَقَدِّمَةِ، جَازَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ حَقَّهُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا. وَإِنْ قَالَ: أَبْرَأْتُك مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ. سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى ; لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ الْيَمِينِ.
فَإِنْ اسْتَأْنَفَ