فهرس الكتاب

الصفحة 3664 من 3896

فَلَا تَكْفِي التَّوْبَةُ حَتَّى تَمْضِيَ عَلَيْهِ سَنَةٌ، تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ، وَيَتَبَيَّنُ فِيهَا صَلَاحُهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَا رِوَايَةً لِأَحْمَدْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} .

وَهَذَا نَصٌّ، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبَ الْمُصْلِحَ ; وَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ضَرَبَ صَبِيغًا أَمَرَ بِهِجْرَانِهِ، حَتَّى بَلَغَتْهُ تَوْبَتُهُ، فَأَمَرَ أَنْ لَا يُكَلَّمَ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ. وَلَنَا، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا} .

وَقَوْلُهُ: {التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ} . وَلِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الشِّرْكِ بِالْإِسْلَامِ لَا تَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى. فَأَمَّا الْآيَةُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ هُوَ التَّوْبَةُ، وَعَطْفُهُ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ، قَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرَةَ: تُبْ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك. وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَمْرًا آخَرَ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ غَاصِبًا، فَرَدَّ مَا فِي يَدَيْهِ، أَوْ مَانِعًا لِلزَّكَاةِ، فَأَدَّاهَا وَتَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَدْ حَصَلَ مِنْهُ الْإِصْلَاحُ، وَعُلِمَ نُزُوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ التَّوْبَةَ، مَا أَدَّى مَا فِي يَدَيْهِ، وَلِأَنَّ تَقَيُّدَهُ بِالسَّنَةِ تَحَكُّمٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ، وَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ فِي حَقِّ صَبِيغٍ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ تَائِبٌ مِنْ بِدْعَةٍ، وَكَانَتْ تَوْبَتُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبِ وَالْهِجْرَانِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ تَسَتُّرًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

وَقَدْ ذَكَرِ الْقَاضِي، أَنَّ التَّائِبَ مِنْ الْبِدْعَةِ يُعْتَبَرُ لَهُ مُضِيُّ سَنَةٍ، لِحَدِيثِ صَبِيغٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي"الْوَرَعِ"، قَالَ: وَمِنْ عَلَامَةِ تَوْبَتِهِ، أَنْ يَجْتَنِبَ مَنْ كَانَ يُوَالِيه مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَيُوَالِي مَنْ كَانَ يُعَادِيه مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الْبِدْعَةِ كَغَيْرِهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ بِفِعْلٍ يُشْبِهُ الْإِكْرَاهَ، كَتَوْبَةِ صَبِيغٍ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مُدَّةٌ تُظْهِرُ أَنَّ تَوْبَتَهُ عَنْ إخْلَاصٍ، لَا عَنْ إكْرَاهٍ. وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُتَظَاهِرِ بِالْمَعْصِيَةِ: تُبْ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَعْرِفُ هَذَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَيْفَ لَا يَعْرِفُهُ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْبَةِ، وَقَالَهُ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرَةَ،.

(8402) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ قَدْ كَانَ شَهِدَ بِهَا وَهُوَ غَيْرُ عَدْلٍ، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ فِي حَالِ عَدَالَتِهِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُ لِفِسْقِهِ، ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ، وَدَاوُد: تُقْبَلُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّهَا شَهَادَةُ عَدْلٍ، فَتُقْبَلُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَدَائِهَا ; لِأَنَّهُ يُعَيَّرُ بِرَدِّهَا، وَلَحِقَتْهُ غَضَاضَةٌ لِكَوْنِهَا رُدَّتْ بِسَبَبِ نَقْصٍ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وَصَلَاحُ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ يَزُولُ بِهِ الْعَارُ، فَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِي أَنَّهُ قَصَدَ إظْهَارَ الْعَدَالَةِ، وَإِعَادَةَ الشَّهَادَةِ لِتُقْبَلَ، فَيَزُولَ مَا حَصَلَ بِرَدِّهَا ; وَلِأَنَّ الْفِسْقَ يَخْفَى، فَيُحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهِ إلَى بَحْثٍ وَاجْتِهَادٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَا تُقْبَلُ بِالِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ. وَفَارَقَ مَا إذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ كَافِرٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت