الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ ; لِأَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلٍ، وَذَلِكَ إنَّمَا كَرِهْتُهُ ; لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا مُسْلِمًا. فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَنْعُ عُمَرَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مُشْتَرِيَهَا رُبَّمَا خَلَطَهَا بِدَرَاهِمَ جَيِّدَةٍ، وَاشْتَرَى بِهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا اصْطَلَحَ عَلَى إنْفَاقِهِ، لَمْ يَكُنْ نُفَايَةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ فَلْيَخْرُجْ بِهَا إلَى الْبَقِيعِ، فَلْيَشْتَرِ بِهَا سَحْقَ الثِّيَابِ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إنْفَاقِ الْمَغْشُوشَةِ الَّتِي لَمْ يَصْطَلِحْ عَلَيْهَا. قُلْنَا: قَدْ قَالَ أَحْمَدُ: مَعْنَى زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ. أَيْ نُفِيَتْ، لَيْسَ أَنَّهَا زُيُوفٌ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ظَهَرَ غِشُّهُ، وَبَانَ زَيْفُهُ، بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا تَغْرِيرٌ. وَإِنْ تَعَذَّرَ تَأْوِيلُهَا، تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْهُ، وَيُرْجَعُ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ غِشُّهُ ذَا بَقَاءٍ وَثَبَاتٍ، كَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَمَا لَا ثَبَاتَ لَهُ، كَالزَّرْنِيخِيَّةِ، والأندرانية، وَهُوَ زِرْنِيخٌ وَنُورَةٌ يُطْلَى عَلَيْهِ فِضَّةٌ، فَإِذَا دَخَلَ النَّارَ اُسْتُهْلِكَ الْغِشُّ، وَذَهَبَ.
(2858) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَتَى انْصَرَفَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا)
الصَّرْفُ: بَيْعُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ. وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا، أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ.} وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ} . {وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا، وَنَهَى أَنْ يُبَاعَ غَائِبٌ مِنْهَا بِنَاجِزٍ،} كُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ.
وَيُجْزِئُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ طَالَ، وَلَوْ تَمَاشَيَا مُصْطَحِبَيْنِ إلَى مَنْزِلِ أَحَدِهِمَا، أَوْ إلَى الصَّرَّافِ، فَتَقَابَضَا عِنْدَهُ، جَازَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمَا فَارَقَا مَجْلِسَهُمَا.
وَلَنَا أَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ تَسِيرُ بِهِمَا، أَوْ رَاكِبَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ تَمْشِي بِهِمَا. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فِي قَوْلِهِ لِلَّذَيْنِ مَشَيَا إلَيْهِ مِنْ جَانِبِ الْعَسْكَرِ: وَمَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا. وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الصَّرْفُ ; لِفَوَاتِ شَرْطِهِ.
وَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ، ثُمَّ افْتَرَقَا، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ. وَهَلْ يَصِحُّ فِي الْمَقْبُوضِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ، فَقَبَضَ الْوَكِيلُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا، جَازَ، وَقَامَ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ، سَوَاءٌ فَارَقَ الْوَكِيلُ الْمَجْلِسَ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ لَمْ يُفَارِقْهُ. وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ الْوَكِيلِ، بَطَلَ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ، وَقَدْ فَاتَ. وَإِنْ تَخَايَرَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ إذَا قُلْنَا بِلُزُومِ الْعَقْدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خِيَارٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ افْتَرَقَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَاشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْلَ اللُّزُومِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الصَّرْفِ، ثُمَّ اصْطَرَفَا، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لَازِمًا صَحِيحًا قَبْلَ الْقَبْضِ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ.
(2859) فَصْلٌ: وَلَوْ صَارَفَ رَجُلًا دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا، فَإِنْ قَبَضَ الْخَمْسَةَ وَافْتَرَقَا، بَطَلَ الصَّرْفُ فِي نِصْفِ الدِّينَارِ. وَهَلْ يَبْطُلُ فِيمَا يُقَابِلُ