وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ فِي"الْجَامِعِ"فِيهِ خِلَافًا ; وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} . فَأَمَرَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَمَا أَمَرَ بِهَا، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ، كَشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيِّ، بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لِنَفْسِهِ لَمَّا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ إلَى نَفْسِهِ، كَانَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ مَقْبُولًا. وَحَكَى الْقَاضِي، فِي الْمُجَرَّدِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا لَا تُقْبَلُ عَلَى صَاحِبِهِ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ، كَالْفَاسِقِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ فِي قِصَاصٍ، وَلَا حَدِّ قَذْفٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ لَهُ وَلَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ، كَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
(8384) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا، وَقَذْفِ زَوْجِهَا لَهَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ; لِأَنَّ حَقَّ أُمِّهِمَا لَا يَزْدَادُ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَبَاهُمَا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَتَوْفِيرُ الْمِيرَاثِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ; بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ.
(8385) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَأَبِيهِ مِنْهَا، وَسَائِرِ أَقَارِبه مِنْهَا ; لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا يُوجِبُ الْإِنْفَاقَ، وَالصِّلَةَ، وَعِتْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَبَسُّطُهُ فِي مَالِهِ، بِخِلَافِ قَرَابَة النَّسَبِ.
(8386) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ)
أَمَّا شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ ; لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ} . وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَيْضًا بِنِكَاحٍ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ ; لِأَنَّ فِي طَلَاقِ أَمَتِهِ تَخْلِيصَهَا لَهُ، وَإِبَاحَةَ بِضْعِهَا لَهُ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ نَفْعًا لَهُ، وَنَفْعُ مَالِ الْإِنْسَانِ نَفْعٌ لَهُ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ يَتَبَسَّطُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ.
(8387) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا)
وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَأَجَازَ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، كَالْإِجَارَةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، كَقَوْلِهِمْ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ، وَلَا تُقَبِّلُ شَهَادَتُهَا لَهُ ; لِأَنَّ يَسَارَهُ وَزِيَادَةَ حَقِّهَا مِنْ النَّفَقَةِ، تَحْصُلُ بِشَهَادَتِهَا لَهُ بِالْمَالِ، فَهِيَ مُتَّهَمَةٌ لِذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ، وَيَنْبَسِطُ فِي مَالِهِ عَادَةً، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لَهُ، كَالِابْنِ