رَضِيت بِأَقَلِّ مِنْ الْكُسْوَةِ، جَازَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ بَذْلُهُ، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، كَالصَّدَاقِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ مَتَّعَ امْرَأَةً بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَتْ: مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ.
(5608) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ طَالَبَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيتَهُ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُفَوِّضَةَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِ الْمَهْرِ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ الْمَهْرِ فَوَجَبَتْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. فَإِنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى فَرْضِهِ، جَازَ مَا فَرَضَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ غَيْرَ عَالَمِينَ بِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ بِغَيْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ إلَّا مَعَ عِلْمِهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ مَا يَفْرِضُهُ بَدَلٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْدَلُ مَعْلُومًا. وَلَنَا أَنَّهُ إذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا، فَقَدْ بَذَلَ مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ رَضِيت بِالْيَسِيرِ، فَقَدْ رَضِيت بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا، فَلَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ بَدَلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْبَدَلَ غَيْرُ الْمُبْدَلِ، وَالْمَفْرُوضُ إنْ كَانَ نَاقِصًا فَهُوَ بَعْضُهُ.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَزِيَادَةٌ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمَا جَازَ مَعَ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهُ يُبْدِلُ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَقَدْ رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجُلٍ {: أَتَرْضَى أَنِّي أُزَوِّجُك فُلَانَةَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَتَرْضِينَ أَنْ أُزَوِّجَك فُلَانًا ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَنِي فُلَانَةَ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا، وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتهَا عَنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ، فَأَخَذَتْ سَهْمَهُ، فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ.}
فَأَمَّا إنْ تَشَاحَّا فِيهِ، فَفَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِسِوَاهُ. فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ، لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهَا حَتَّى تَرْضَاهُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهَا بِفَرْضِهِ مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ. وَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِهِ، وَلَا يَثْبُتُ لَهَا مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ. وَإِنْ تَشَاحَّا، وَارْتَفَعَا، إلَى الْحَاكِمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا إلَّا مَهْرَ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَيْلٌ عَلَيْهِ، وَالنُّقْصَانَ مِيلٌ عَلَيْهَا، وَالْعَدْلُ الْمِثْلُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلُ الْبُضْعِ، فَيُقَدَّرُ بِهِ، كَالسِّلْعَةِ إذَا تَلِفَتْ فَرَجَعَا فِي تَقْوِيمِهَا إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
وَيُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِيُتَوَصَّلَ إلَى إمْكَانِ فَرْضِهِ. وَمَتَى صَحَّ الْفَرْضُ صَارَ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فِي أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ مَعَهُ. وَإِذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ، لَزِمَ مَا فَرَضَهُ، سَوَاءٌ رَضِيَتْهُ أَوْ لَمْ تَرْضَهُ. كَمَا يَلْزَمُ مَا حَكَمَ بِهِ.
(5609) فَصْلٌ: وَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَجْنَبِيٌّ مَهْرَ مِثْلِهَا، فَرَضِيَتْهُ، لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلَا حَاكِمٍ. فَإِنْ سَلَّمَ إلَيْهَا مَا فَرَضَهُ لَهَا، فَرَضِيَتْهُ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ مَنْ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا، وَيَسْتَرْجِعُ مَا أَعْطَاهَا ; لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ، مَا صَحَّ، وَلَا بَرِئَتْ بِهِ ذِمَّةُ الزَّوْجِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الزَّوْجِ فِي قَضَاءِ الْمُسَمَّى، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي قَضَاءِ مَا يُوجِبُهُ الْعَقْدُ غَيْرُ الْمُسَمَّى. فَعَلَى هَذَا، إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ نِصْفُهُ إلَى الزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهُ حِينَ قَضَى بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَيَعُودُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ هُوَ.
وَلِأَصْحَابِ