الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَذَكَرُوا وَجْهًا ثَالِثًا، أَنَّهُ يَرْجِعُ نِصْفُهُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجْهًا لَنَا ثَالِثًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَضَى الْمُسَمَّى عَنْ الزَّوْجِ، صَحَّ، ثُمَّ إنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ نِصْفُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ فَسَخَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بِفِعْلِ مِنْ جِهَتِهَا، رَجَعَ جَمِيعُهُ إلَيْهِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخِرِ، يَرْجِعُ إلَى مَنْ قَضَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(5610) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْمَهْرُ لِلْمُفَوِّضَةِ، بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ إلَى الْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ; فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْعَقْدِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ، قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَا يَجِيءُ عَلَى أَصِلْ الشَّافِعِيِّ غَيْرُ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ لَتَنَصَّفَ بِالطَّلَاقِ، كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَالْمُسَمَّى، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ، لَمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ، كَمَا فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ الْمَهْرِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ يُفْضِي إلَى خُلُوِّهِ عَنْهُ، وَإِلَى أَنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ صَحِيحًا وَمَلَكَ الزَّوْجُ الْوَطْءَ وَلَا مَهْرَ فِيهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَنَصَّفْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَقَلَ غَيْرَ الْمُسَمَّى لَهَا بِالطَّلَاقِ إلَى الْمُتْعَةِ كَمَا نَقَلَ مَنْ سُمِّيَ لَهَا إلَى نِصْفِ الْمُسَمَّى لَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ فَوَّضَ الرَّجُلُ مَهْرَ أَمَتِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا، ثُمَّ فُرِضَ لَهَا الْمَهْرُ، كَانَ لِمُعْتِقِهَا أَوْ بَائِعِهَا لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ. وَلَوْ فَوَّضَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، ثُمَّ طَالَبَتْ بِفَرْضِ مَهْرِهَا بَعْدَ تَغَيُّرِ مَهْرِ مِثْلِهَا، أَوْ دَخَلَ بِهَا، لَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ، إلَّا فِي الْأَمَةِ الَّتِي أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
(5611) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ إعْطَائِهَا شَيْئًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوِّضَةً أَوْ مُسَمًّى لَهَا. وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ: لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَخْلَعُ إحْدَى نَعْلَيْهِ، وَيُلْقِيهَا إلَيْهَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ، أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطِهَا دِرْعَك. فَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا.} وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، قَالَ: {لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطِهَا شَيْئًا. قَالَ: مَا عِنْدِي. قَالَ: أَيْنَ دِرْعُك الْحَطْمِيَّةُ ؟.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَلَنَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، فِي الَّذِي زَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: {أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا.} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ عَلَى قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهُ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطِيَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ شَيْئًا، مُوَافَقَةً لِلْأَخْبَارِ، وَلِعَادَةِ النَّاسِ فِيمَا بَيْنَهُمْ،