دَرَجَةِ تَفْسِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْآيَةِ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ، فَهُوَ حُجَّةٌ يُصَارُ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ صِيَامٌ فِي كَفَّارَةٍ فَوَجَبَ فِيهِ التَّتَابُعُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى. فَعَلَى هَذَا، إنْ أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ، أَوْ الرَّجُلُ لِمَرَضٍ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْقَطِعُ فِيهِمَا ; لِأَنَّ التَّتَابُعَ لَمْ يُوجَدْ، وَفَوَاتُ الشَّرْطِ يَبْطُلُ بِهِ الْمَشْرُوطُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْقَطِعُ فِي الْمَرَضِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَلَا يَنْقَطِعُ فِي الْحَيْضِ. وَلَنَا، أَنَّهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ، أَشْبَهَ الْحَيْضَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
(8051) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ كَانَ الْحَانِثُ عَبْدًا، لَمْ يُكَفِّرْ بِغَيْرِ الصَّوْمِ)
لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضُ الْمُعْسِرِ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} . وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصِّيَامِ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ بِهِ. وَالْأُخْرَى، لَا يَجُوزُ إلَّا بِالصِّيَامِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عِلَلَ ذَلِكَ فِي الظِّهَارِ، وَالِاخْتِلَافَ فِيهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ أَصْلَ هَذَا عِنْدَهُ الرِّوَايَتَانِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ، إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. فَمَلَّكَهُ سَيِّدُهُ، وَأَذِنَ لَهُ بِالتَّكْفِيرِ، بِالْمَالِ جَازَ ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا يُكَفِّرُ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا يُكَفِّرُ بِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ بِالتَّكْفِيرِ فِي الْمَالِ، فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ، وَإِنْ مَلَكَ ; لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ.
قَالَ: وَأَصْحَابُنَا يَجْعَلُونَ فِي الْعَبْدِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَمْلِكُ. أَوْ لَا يَمْلِكُ. ثُمَّ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُجِيزُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ، لَهُ أَنْ يُطْعِمَ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْتِقَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوِلَايَةَ وَالْإِرْثَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ، وَلَكِنْ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ. وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُجِيزُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ.
وَالثَّانِيَةُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ، صَحَّ بِالْعِتْقِ، كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْعَبْدَ، فَصَحَّ تَكْفِيرُهُ بِإِعْتَاقِهِ، كَالْحُرِّ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوِلَايَةَ. لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمُقْتَضِي، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ لِتَخَلُّفِ سَبَبِهِ لَا لِتَخَلُّفِ أَحْكَامِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَثْبُتُ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَلِأَنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْأَحْكَامِ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي، إنَّمَا يَكُونُ لِمَانِعٍ مَنَعَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَنْعُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا. وَلِهَذَا السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتُهُ تَخَلُّفَهَا عَنْهُ فِي الرَّقِيقِ، عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ بِإِعْتَاقِ الْعَبْدِ، لَكِنْ لَا يَرِثُ بِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينَاهُمَا. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ.