فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ، فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ، حُكْمُ الْعَبْدِ الْقِنِّ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ كَسْبِهِ ; لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ فَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا عَلَى سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمُكَاتَبِ لَا تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ، فَنَفَقَةُ امْرَأَتِهِ أَوْلَى.
فَأَمَّا نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ وَأَقَارِبِهِ الْأَحْرَارِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ; وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ، وَلَا الْفِطْرَةُ فِي بَدَنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً، فَنَفَقَةُ أَوْلَادِهَا عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ. وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ، كَجَدٍّ حُرٍّ وَأَخٍ حُرٍّ مَعَ الْأُمِّ، أَنْفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مِيرَاثِهِ، وَالْمُكَاتَبُ كَأَنَّهُ مَعْدُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفَقَةِ.
(6516) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَعَلَى الْمُكَاتَبَةِ نَفَقَةُ وَلَدِهَا دُونَ أَبِيهِ الْمُكَاتَبِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ، لَمْ يَخْلُ ; إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ مِنْ أَمَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً، فَوَلَدُهَا يَتْبَعُونَهَا فِي الْكِتَابَة، وَيَكُونُونَ مَوْقُوفِينَ عَلَى كِتَابَتِهَا ; إنْ رَقَّتْ رَقُّوا، وَإِنْ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ عَتَقُوا، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهَا مِمَّا فِي يَدَيْهَا ; لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ نَفْسِهَا، وَنَفَقَتُهَا مِمَّا فِي يَدَيْهَا، فَكَذَلِكَ عَلَى وَلَدِهَا. وَأَمَّا زَوْجُهَا الْمُكَاتَبُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ، زَوْجَتُهُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُمْ. وَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ التَّبَرُّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ، وَكَانَ مِنْ أَمَةٍ أَوْ مُكَاتَبَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، أَوْ حُرَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لِسَيِّدِهِ، جَازَ ; لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ، فَهُوَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ سَيِّده، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُكَاتَبَةٍ لِسَيِّدِهِ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ، وَأُمُّهُ مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ; لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا، إذْ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْجِزَ هُوَ، وَتُؤَدِّي الْمُكَاتَبَةُ، فَيَعْتِقُ وَلَدُهَا، فَيَحْصُلُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، وَيَصِيرُ حُرًّا.
(6517) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَعَلَى الْمُكَاتَبِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ)
أَمَّا وَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ، فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ وَلَدَهُ مِنْ أَمَتِهِ تَابِعٌ لَهُ، يَرِقُّ بِرِقِّهِ، وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهِ، فَجَرَى مَجْرَى نَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ الَّذِي هَذَا حَالُهُ، وَلِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ سِوَى أَبِيهِ، فَإِنَّ أُمَّهُ أَمَةٌ لِلْمُكَاتَبِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَحْرَارِ أَقَارِبٌ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، كَأُمِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِي إنْفَاقِ الْمُكَاتَبِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ ; لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى وَعَتَقَ، فَقَدْ وَفَّى مَالَ الْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ، عَادَ إلَيْهِ الْمُكَاتَبُ وَوَلَدُهُ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى عَبْدِهِ، وَتَصِيرُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى سَائِرِ رَقِيقِهِ.
(6518) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَسَرَّى بِأَمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ، وَعَلَى السَّيِّدِ ضَرَرٌ فِي تَسَرِّيهِ بِهَا ; لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهَا. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ، جَازَ ; لِأَنَّ الْمَنْعِ لِحَقِّهِ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ.