اشْتَهَرَ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَإِنْ عَلِمَتْ الْعِتْقَ، وَادَّعَتْ الْجَهَالَةَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهَا فِيهِ. وَلِلشَّافِعِي فِي قَبُولِ قَوْلِهَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
(5519) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ أَوْ رَجُلَانِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَنْهُ: لَهَا الْخِيَارُ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الطَّارِئَةَ بَعْدَ عِتْقِهَا تَمْنَعُ الْفَسْخَ، فَالْمُقَارِنَةُ أَوْلَى، كَإِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: إنْ عَتَقَا مَعًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ. وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذَا وَهَبَ لِعَبْدِهِ سُرِّيَّةً، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي بِهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا جَمِيعًا، صَارَا حُرَّيْنِ، وَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْعَبْدِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إصَابَتُهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ
هَكَذَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِي مَنْ وَهَبَ لِعَبْدِهِ سُرِّيَّةً، أَوْ اشْتَرَى لَهُ سُرِّيَّةً، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا، لَا يَقْرَبُهَا إلَّا بِنِكَاحِ جَدِيدٍ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، بِمَا رَوَى نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدًا لَهُ كَانَ لَهُ سُرِّيَّتَانِ، فَأَعْتَقَهُمَا وَأَعْتَقَهُ، فَنَهَاهُ أَنْ يَقْرَبَهُمَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ. وَلِأَنَّهَا بِإِعْتَاقِهَا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا، كَالْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ، فَعَتَقَا، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْفَسِخْ بِإِعْتَاقِهَا وَحْدهَا. فَلَأَنْ لَا يَنْفَسِخَ بِإِعْتَاقِهِمَا مَعًا أَوْلَى. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا. أَنَّ لَهَا فَسْخَ النِّكَاحِ. وَهَذَا تَخْرِيجٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِأَنَّ لَهَا الْفَسْخَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا قَبْلَ الْعِتْقِ.
(5520) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَهُ عَبْدٌ وَأَمَةٌ مُتَزَوِّجَانِ، فَأَرَادَ عِتْقَهُمَا، الْبِدَايَةُ بِالرَّجُلِ ; لِئَلَّا يَثْبُتَ لِلْمَرْأَةِ خِيَارٌ عَلَيْهِ فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ {كَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ، فَتَزَوَّجَا، فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَهُمَا. فَقَالَ لَهَا: فَابْدَئِي بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ} . وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ لِلرَّجُلِ: إنِّي بَدَأْت بِعِتْقِك لِئَلَّا يَكُونَ لَهَا عَلَيْك خِيَارٌ.
(5521) فَصْلٌ: إذَا عَتَقَتْ الْمَجْنُونَةُ وَالصَّغِيرَةُ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ لَا عَقْلٌ لَهُمَا، وَلَا قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ، وَلَا يَمْلِكُ وَلِيُّهُمَا الِاخْتِيَارَ عَنْهُمَا ; لِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلَايَةِ كَالِاقْتِصَاصِ. فَإِذَا بَلَغْت الصَّغِيرَةُ، وَعَقَلَتْ الْمَجْنُونَةُ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ ; لِكَوْنِهِمَا صَارَتَا عَلَى صِفَةٍ لَكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ كَانَ بِزَوْجَيْهِمَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ، فَإِنْ كَانَ زَوْجَاهُمَا قَدْ وَطِئَاهُمَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُمَا، لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ انْقَضَتْ
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ: لَهُمَا الْخِيَارُ ; لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُمَا، فَلَا يَكُونُ تَمْكِينُهُمَا مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلًا عَلَى الرِّضَى، بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجَاهُمَا مِنْ وَطْئِهِمَا.
(5522) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ لِنَفْسَيْنِ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا، إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا)
إنَّمَا شَرَطَ الْإِعْسَارَ فِي الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّ الْمُوسِرَ يَسْرِي عِتْقُهُ إلَى جَمِيعِهَا، فَتَصِيرُ حُرَّةً، وَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ، وَالْمُعْسِرُ لَا يَسْرِي عِتْقُهُ، بَلْ يَعْتِقُ مِنْهَا مَا أَعْتَقَ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ، فَلَا تَكْمُلُ حُرِّيَّتُهَا، فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ. حَكَاهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاخْتَارَهَا ; لِأَنَّهَا أَكْمَلُ مِنْهُ، فَإِنَّهَا تَرِثُ، وَتُورَثُ، وَتَحْجُبُ بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْحُرَّةِ الْكَامِلَةِ ; لِأَنَّهَا كَامِلَةُ الْأَحْكَامِ، وَأَيْضًا مَا عَلَّلَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.