فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَك. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَنَسٌ، {أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، لَمْ يُحَدَّ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عُقُوبَتُهُ، كَالْكُفْرِ. وَإِنْ تَظَاهَرَ بِهِ، عُزِّرَ ; لِأَنَّهُ أَظْهَرَ مُنْكَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَعُزِّرَ عَلَيْهِ، كَالْمُسْلِمِ.
(7208) فَصْلٌ: وَإِنْ تَحَاكَمَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ، وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا. بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ ظُلْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ.
(7209) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَذَفَ بَالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا، أَوْ حُرَّةً مُسْلِمَةً، جُلِدَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ)
الْقَذْفُ: هُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا. وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ; أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. قَالُوا: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُحْصَنَاتُ هَاهُنَا الْعَفَائِفُ.
وَالْمُحْصَنَاتُ فِي الْقُرْآنِ جَاءَتْ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ ; أَحَدُهَا هَذَا. وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْمُزَوَّجَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .
وقَوْله تَعَالَى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} . وَالثَّالِثُ: بِمَعْنَى الْحَرَائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . وَقَوْلِهِ: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} . وَالرَّابِعُ: بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ، كَقَوْلِهِ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إحْصَانُهَا إسْلَامُهَا. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَ، إذَا كَانَ مُكَلَّفًا.
وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ الَّذِي يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ صَاحِبِهِ، خَمْسَةٌ: الْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، وَأَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ. وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ. وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالُوا: إذَا قَذَفَ ذِمِّيَّةً، وَلَهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ، يُحَدُّ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ مَنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، لَا يُحَدُّ وَلَهُ وَلَدٌ، كَالْمَجْنُونَةِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، فَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ شَرْطٌ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ التَّكْلِيفِ، فَأَشْبَهَ الْعَقْلَ ; وَلِأَنَّ زِنَا الصَّبِيِّ لَا يُوجِبُ حَدًّا، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْقَذْفِ بِهِ، كَزِنَا الْمَجْنُونِ.