فهرس الكتاب

الصفحة 1199 من 3896

يُجْزِئُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ. وَهَذَا دَاخِلٌ فِيهِ.

وَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا. وَلَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: اُحْضُرْنَا حَتَّى أَكْتَالَهُ لِنَفْسِي، ثُمَّ تَكْتَالُهُ أَنْتَ. وَفَعَلَا، صَحَّ بِغَيْرِ إشْكَالٍ. وَإِنْ اكْتَالَهُ زَيْدٌ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَمْرٌو بِذَلِكَ الْكَيْلِ الَّذِي شَاهَدَهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ تَرَكَهُ زَيْدٌ فِي الْمِكْيَالِ، وَدَفَعَهُ إلَى عَمْرٍو لِيُفْرِغَهُ لِنَفْسِهِ، صَحَّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْضًا صَحِيحًا ; لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْكَيْلِ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ، وَلَا مَعْنَى لِابْتِدَاءِ الْكَيْلِ هَاهُنَا، إذْ لَا يَحْصُلُ بِهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ ; لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ. وَهَذَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ، وَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَهُ فِي الْمِكْيَالِ جَرْيٌ لِصَاعَيْهِ فِيهِ. وَلَوْ دَفَعَ زَيْدٌ إلَى عَمْرٍو دَرَاهِمَ، فَقَالَ: اشْتَرِ لَك بِهَا مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي لَك عَلَيَّ. فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ دَرَاهِمَ زَيْدٍ لَا يَكُونُ عِوَضُهَا لِعَمْرٍو. فَإِنْ اشْتَرَى الطَّعَامَ بِعَيْنِهَا، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، فَهُوَ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ عَلَى مَا تَبَيَّنَ.

وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا، ثُمَّ أَقْبِضْهُ لِنَفْسِك، فَفَعَلَ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْهُ لِنَفْسِك فَفَعَلَ، جَازَ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَظِيرِ ذَلِكَ، وَهَكَذَا جَمِيعُ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، إذَا حَصَلَ الطَّعَامُ فِي يَدِ عَمْرٍو لِزَيْدٍ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَابِضًا لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، وَيَقْبِضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا، جَازَ أَنْ يَقْبَلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَقْبِضَ مِنْهَا، فَكَذَا هَاهُنَا.

(2959) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ طَعَامًا، فَقَبَضَاهُ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا لِلْآخِرِ نَصِيبَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، كَرِهَا أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مِنْ شَرِيكِهِ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَهُ مُنْفَرِدًا، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَقْبُوضِ.

وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ; لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ لَهُمَا، يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَجْنَبِيٍّ، فَجَازَ بَيْعُهُ لِشَرِيكِهِ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ. فَإِنْ تَقَاسَمَاهُ، وَتَفَرَّقَا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ الَّذِي كَالَهُ، لَمْ يَجُزْ. كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا، فَاكْتَالَهُ، وَتَفَرَّقَا، ثُمَّ بَاعَهُ إيَّاهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ. وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَقَدَّمَتَا.

(2960) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالشَّرِكَةُ فِيهِ وَالتَّوْلِيَةُ وَالْحَوَالَةُ بِهِ كَالْبَيْعِ)

.وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهِ، وَلَا تَوْلِيَتُهُ، وَلَا الْحَوَالَةُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ هَذَا كُلُّهُ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ; لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، الْأَوَّلِ، فَجَازَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَالْإِقَالَةِ.

وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ أَنْوَاعُ بَيْعٍ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ بَيْعُ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَالتَّوْلِيَةَ بَيْعُ جَمِيعِهِ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ. وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ. وَفَارَقَ الْإِقَالَةَ، فَإِنَّهَا فَسْخٌ لِلْبَيْعِ، فَأَشْبَهَتْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ. وَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ وَلَا رَهْنُهُ وَلَا دَفْعُهُ أُجْرَةً، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى الْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ، فَلَا سَبِيلَ إلَى إقْبَاضِهِ.

(2961) فَصْلٌ: وَأَمَّا التَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَجَائِزَانِ ; لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت