لِذَلِكَ، فَقَالَ: إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِذَلِكَ، فَلَيْسَ هُوَ مُغْمَى عَلَيْهِ، يَجُوزُ طَلَاقُهُ. وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فِي الْمَجْنُونِ يُطَلِّقُ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَمَا أَفَاقَ: إنَّك طَلَّقْت امْرَأَتَك. فَقَالَ: أَنَا أَذْكُرُ أَنِّي طَلَّقْت، وَلَمْ يَكُنْ عَقْلِي مَعِي. فَقَالَ: إذَا كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ طَلَّقَ، فَقَدْ طَلُقَتْ. فَلَمْ يَجْعَلْهُ مَجْنُونًا إذَا كَانَ يَذْكُرُ الطَّلَاقَ، وَيَعْلَمُ بِهِ. وَهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فِي مَنْ جُنُونُهُ بِذَهَابِ مَعْرِفَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبُطْلَانِ حَوَاسِّهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ جُنُونُهُ لِنُشَافٍ أَوْ كَانَ مبرسما، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ، مَعَ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ غَيْرُ ذَاهِبَةٍ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَضُرُّهُ ذِكْرُهُ لِلطَّلَاقِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(5839) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي السَّكْرَانِ رِوَايَاتٌ ; رِوَايَةٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ. وَرِوَايَةٌ لَا يَقَعُ. وَرِوَايَةٌ يَتَوَقَّفُ عَنْ الْجَوَابِ، وَيَقُولُ: قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ)
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا التَّوَقُّفُ عَنْ الْجَوَابِ، فَلَيْسَ بِقَوْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، إنَّمَا هُوَ تَرْكٌ لِلْقَوْلِ فِيهَا، وَتَوَقُّفٌ عَنْهَا، لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِيهَا، وَإِشْكَالِ دَلِيلِهَا. وَيَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَقَعُ طَلَاقُهُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَالْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالْحَكَمِ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ.}
وَمِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ، إنْ رَكِبَ مَعْصِيَةً مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ ; بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو وَبَرَةَ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: أَرْسَلَنِي خَالِدٌ إلَى عُمَرَ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَقُلْت: إنَّ خَالِدًا يَقُولُ: إنَّ النَّاسَ انْهَمَكُوا فِي الْخَمْرِ، وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: هَؤُلَاءِ عِنْدَك فَسَلْهُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: نَرَاهُ إذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَبْلِغْ صَاحِبَك مَا قَالَ. فَجَعَلُوهُ كَالصَّاحِي، وَلِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ مُكْرَهٍ صَادَفَ مِلْكَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ، كَطَلَاقِ الصَّاحِي، وَيَدُلُّ عَلَى تَكْلِيفِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْقَتْلِ، وَيُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَجْنُونَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ. وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمِ، وَطَاوُسٍ، وَرَبِيعَةَ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا ثَابِتٌ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ عُثْمَانَ أَرْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ، وَهُوَ أَصَحُّ. يَعْنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ، مَنْصُورٌ لَا يَرْفَعُهُ إلَى عَلِيٍّ. وَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَالنَّائِمَ، وَلِأَنَّهُ مَفْقُودُ الْإِرَادَةِ، أَشْبَهُ الْمُكْرَهُ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ ; إذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِطَابِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ إلَى مَنْ لَا يَفْهَمُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الشَّرْطِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ; بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَسَرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ