وُجُودُ الْأَرْشِ وَوُجُوبُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَرْشُ لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَجِبَ لِلْمُضَحِّي، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَجِبَ لِلْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَهَا مَذْبُوحَةً، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ لَمْ يَجُزْ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَجِبَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَ شَيْءٍ مِنْهَا، كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، وَلِأَنَّهُمْ وَافَقُونَا فِي أَنَّ الْأَرْشَ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ، فَيَتَعَذَّرُ إيجَابُهُ، لِعَدَمِ مُسْتَحِقِّهِ.
(7891) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ ذَبَحَهَا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ الْأَكْلَ مِنْهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَبَنَاهُ عَلَى الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ. وَلَنَا، أَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَالْمَعْهُودُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُهَا، وَالْأَكْلُ مِنْهَا، وَالنَّذْرُ لَا يُغَيِّرُ مِنْ صِفَةِ الْمَنْذُورِ إلَّا الْإِيجَابَ، وَفَارَقَ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ; لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ، فَالْمَنْذُورُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ.
(7892) فَصْلٌ: وَلَا يُضَحِّي عَمَّا فِي الْبَطْنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ. وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ، وَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، أَنْ يُضَحُّوا إلَّا بِإِذْنِ سَادَتِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، إلَّا الْمَكَاتِب، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ، وَالْأُضْحِيَّةُ تَبَرُّعٌ. وَأَمَّا مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ إذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ شَيْئًا، فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ
(7893) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ، فَيُضَحُّوا بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ سَبْعَةٌ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا، سَوَاءٌ كَانُوا كُلُّهُمْ مُتَقَرِّبِينَ، أَوْ يُرِيدُ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ وَبَعْضُهُمْ اللَّحْمَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لِلْمُتَقَرِّبِينَ، وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُتَقَرِّبٍ ; لِأَنَّ الذَّبْحَ وَاحِدٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلَّ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِيهِ. وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: {أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَنَا، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ الْجُزْءَ الْمُجَزَّأَ لَا يَنْقُصُ بِإِرَادَةِ الشَّرِيكِ غَيْرَ الْقُرْبَةِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ الْقُرْبِ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ التَّضْحِيَةَ، وَبَعْضُهُمْ الْفِدْيَةَ.
(7894) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ لِلْمُشْتَرَكِينَ قِسْمَةُ اللَّحْمِ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، وَبَيْعُ لَحْمِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَلَنَا، أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاشْتِرَاكِ، مَعَ أَنَّ سُنَّةَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْأَكْلُ مِنْهَا، دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ الْقِسْمَةِ، إذْ لَا يَتَمَكَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ الْأَكْلِ إلَّا بِالْقِسْمَةِ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، بَلْ هِيَ إفْرَازُ حَقٍّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْقِسْمَةُ.
(7895) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ، عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)
الْعَقِيقَةُ: الذَّبِيحَةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْ الْمَوْلُودِ، وَقِيلَ: هِيَ الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ وَيُدْعَى إلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْمَوْلُودِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: