الْغُرَمَاءَ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ
وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَعَفَا صَاحِبُهَا عَنْهَا إلَى مَالٍ، أَوْ صَالَحَهُ الْمُفْلِسُ عَلَى مَالٍ، شَارَكَ الْغُرَمَاءَ ; لِأَنَّ سَبَبَهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْجَبَتْ الْمَالَ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَا قَدَّمْتُمْ حَقَّهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، كَمَا قَدَّمْتُمْ حَقَّ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ بَعْضُ عَبِيدِ الْمُفْلِسِ ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَقُدِّمَ لِذَلِكَ، وَحَقُّ هَذَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ، فَاسْتَوَيَا.
(3451) فَصْلٌ: وَلَوْ قَسَمَ الْحَاكِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ، رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ: لَا يَحَاصُّهُمْ ; لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ
وَلَنَا، أَنَّهُ غَرِيمٌ لَوْ كَانَ حَاضِرًا قَاسَمَهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَاسَمَهُمْ، كَغَرِيمِ الْمَيِّتِ يَظْهَرُ بَعْدَ قَسَمَ مَالِهِ، وَلَيْسَ قَسْمُ الْحَاكِمِ مَالَهُ حُكْمًا، إنَّمَا هُوَ قِسْمَةٌ بَانَ الْخَطَأُ فِيهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَسَّمَ مَالَ الْمَيِّتِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ. أَوْ قَسَمَ أَرْضًا بَيْنَ شُرَكَاءَ، ثُمَّ ظَهَرَ شَرِيكٌ آخَرُ. أَوْ قَسَمَ الْمِيرَاثَ بَيْنَ وَرَثَةٍ، ثُمَّ ظَهَرَ وَارِثٌ سِوَاهُ، أَوْ وَصِيَّةٌ، ثُمَّ ظَهَرَ مُوصَى لَهُ آخَرُ.
(3452) فَصْلٌ: وَلَوْ أَفْلَسَ وَلَهُ دَارٌ مُسْتَأْجَرَةٌ، فَانْهَدَمَتْ بَعْدَ قَبْضِ الْمُفْلِسِ الْأُجْرَةَ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ، وَسَقَطَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، أَخَذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِهِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ، رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِحِصَّتِهِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَلِذَلِكَ يُشَارِكُهُمْ إذَا وَجَبَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ
وَلَوْ بَاعَ سِلْعَةً، وَقَبَضَ ثَمَنَهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ فَوَجَدَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا، فَرَدَّهَا بِهِ، أَوْ رَدَّهَا بِخِيَارٍ، أَوْ اخْتِلَافٍ فِي الثَّمَنِ، وَنَحْوِهِ، وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، أَخَذَهَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا انْفَسَخَ، زَالَ مِلْكُ الْمُفْلِسِ عَنْ الثَّمَنِ، كَزَوَالِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَنْ الْمَبِيعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، شَارَكَ الْمُشْتَرِي الْغُرَمَاءَ.
(3453) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ، إلَى أَنْ يُفْرَغَ مِنْ قِسْمَتِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حُجِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَكَانَ ذَا كَسْبٍ يَفِي بِنَفَقَتِهِ، وَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَنَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِ مَالِهِ مَعَ غِنَاهُ بِكَسْبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ مَالِهِ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ دُونَ نَفَقَتِهِ، كَمَّلْنَاهَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا كَسْبٍ، أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مُدَّةَ الْحَجْرِ، وَإِنْ طَالَتْ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ابْدَأْ بِنَفْسِك، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ}
.وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيمَنْ يَعُولُهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَهِيَ الزَّوْجَةُ، فَإِذَا قَدَّمَ نَفَقَةَ نَفْسِهِ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، فَكَذَلِكَ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَلِأَنَّ الْحَيَّ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ الْمَيِّتِ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ، وَتَقْدِيمُ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَمُؤْنَةِ دَفْنِهِ عَلَى دَيْنِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَنَفَقَتُهُ أَوْلَى
وَتُقَدَّمُ أَيْضًا نَفَقَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، مِثْلِ الْوَالِدَيْنِ، وَالْمَوْلُودِينَ، وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ تُحَبُّ نَفَقَتُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ يَجْرُونَ مَجْرَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ ذَوِي رَحِمِهِ مِنْهُمْ يَعْتِقُونَ إذَا مَلَكَهُمْ، كَمَا يَعْتِقُ إذَا مَلَكَ نَفْسَهُ، فَكَانَتْ نَفَقَتُهُمْ كَنَفَقَتِهِ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ تُقَدَّمُ نَفَقَتُهَا لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ مِنْ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ ; لِأَنَّهَا تَجِبُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَفِيهَا مَعْنَى الْإِحْيَاءِ، كَمَا فِي الْأَقَارِبِ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْمُفْلِسِ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ مِنْ مَالِهِ، أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ
وَلَا