فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَالْآبِقِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ} . قَالَ مُجَاهِدٌ: غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ، فَإِنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، حَلَّ لَهُ الْأَكْلُ.
(7808) فَصْلٌ: وَهَلْ لِلْمُضْطَرِّ التَّزَوُّدُ مِنْ الْمَيْتَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; أَصَحُّهُمَا: لَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ; لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا، وَلَا فِي إعْدَادِهَا لِدَفْعِ ضَرُورَتِهِ وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ ضَرُورَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَوَسُّعٌ فِيمَا لَمْ يُبَحْ إلَّا لِلضَّرُورَةِ، فَإِنْ اسْتَصْحَبَهَا، فَلَقِيَهُ مُضْطَرٌّ آخَرُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا إيَّاهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مِنْهَا مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْبَيْعِ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَيَلْزَمُهُ إعْطَاءُ الْآخَرِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مُضْطَرًّا فِي الْحَالِ إلَى مَا مَعَهُ ; لِأَنَّ ضَرُورَةَ الَّذِي لَقِيَهُ مَوْجُودَةٌ، وَحَامِلُهَا يَخَافُ الضَّرَرَ فِي ثَانِي الْحَالِ.
(7809) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَلَا يَحْمِلَ)
هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَالِ الْجُوعِ وَالْحَاجَةِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِيبَ مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ، يَأْكُلُ إذَا كَانَ جَائِعًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَائِعًا، فَلَا يَأْكُلُ. وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَأْكُلْ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ شِبْهَ الْحَرِيمِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: إنَّمَا الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ. إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَاهُنَا حَقِيقَةَ الِاضْطِرَارِ ; لِأَنَّ الِاضْطِرَارَ يُبِيحُ مَا وَرَاءَ الْحَائِطِ. وَرُوِيَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ جُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بُرْدَةَ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ، فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بُرْدَةَ. قَالَ عُمَرُ: يَأْكُلُ، وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَأْكُلُ مِمَّا تَحْتَ الشَّجَرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الشَّجَرِ فَلَا يَأْكُلُ ثِمَارَ النَّاسِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ. وَلَا يَضْرِبُ بِحَجَرٍ، وَلَا يَرْمِي ; لِأَنَّ هَذَا يُفْسِدُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْت أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ، فَأَخَذُونِي، فَذَهَبُوا بِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ {: يَا رَافِعُ، لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ ؟} . قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْجُوعُ. قَالَ {: لَا تَرْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ، أَشْبَعَكَ اللَّهُ وَأَرْوَاكَ} . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يُبَاحُ الْأَكْلُ فِي الضَّرُورَةِ ; لِمَا رَوَى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ، إذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ.} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: إنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.