فَصْلٌ: وَسَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الزَّانِي، يُرَدَّدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَى حَدِيثِ مَاعِزٍ، هُوَ أَحْوَطُ. قُلْت لَهُ: فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي مَجَالِسَ شَتَّى ؟ قَالَ: أَمَّا الْأَحَادِيثُ، فَلَيْسَتْ تَدُلُّ إلَّا عَلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، إلَّا ذَاكَ الشَّيْخَ بَشِيرَ بْنَ مُهَاجِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَذَاكَ عِنْدِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعِ إقْرَارَاتٍ، فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ ; لِأَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ. وَلَنَا، أَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ أَرْبَعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ إحْدَى حُجَّتَيْ الزِّنَى، فَاكْتَفَى بِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، كَالْبَيِّنَةِ.
(7174) فَصْلٌ: يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ أَنْ يَذْكُرَ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ، لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ ; لِأَنَّ الزِّنَى يُعَبِّرُ عَمَّا لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْحَدِّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ; {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَاعِزٍ: لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ غَمَزْت، أَوْ نَظَرْت. قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَنِكْتَهَا. لَا يُكَنِّي. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، {قَالَ: أَفَنِكْتَهَا ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْك فِي ذَاكَ مِنْهَا ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَى ؟. قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا} . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(7175) فَصْلٌ: فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَكَذَّبَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّا صَدَّقْنَاهَا فِي إنْكَارِهَا، فَصَارَ مَحْكُومًا بِكَذِبِهِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ، فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَسَمَّاهَا لَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَرْأَةِ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ زَنَتْ، فَجَلَدَهُ الْحَدَّ وَتَرَكَهَا} .
وَلِأَنَّ انْتِفَاءَ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّهَا لَا يُبْطِلُ إقْرَارَهُ، كَمَا لَوْ سَكَتَتْ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُسْأَلْ، وَلِأَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ: إذَا كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّنَا صَدَّقْنَاهَا فِي إنْكَارِهَا. لَا يَصِحُّ، فَإِنَّنَا لَمْ نَحْكُمْ بِصِدْقِهَا، وَانْتِفَاءُ الْحَدِّ إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضَى، وَهُوَ الْإِقْرَارُ أَوْ الْبَيِّنَةُ، لَا لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ ; بِدَلِيلِ مَا لَوْ سَكَتَتْ، أَوْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ، وَالْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ، فِي الْإِقْرَارِ سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الزِّنَى، فَاسْتَوَى فِيهِ الْكُلَّ، كَالْبَيِّنَةِ.
(7176) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَهُوَ بَالِغٌ صَحِيحٌ عَاقِلٌ)
أَمَّا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِمَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ قَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُمَا، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ; عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ قَوْمَهُ: أَمَجْنُونٌ هُوَ ؟ قَالُوا: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ} .
وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ حِينَ أَقَرَّ عِنْدَهُ: أَبِكَ جُنُونٌ ؟} . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ، فَاسْتَشَارَ فِيهَا