فهرس الكتاب

الصفحة 3110 من 3896

أُنَاسًا فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ، فَمَرَّ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟. قَالُوا: مَجْنُونَةُ آلِ فُلَانٍ زَنَتْ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ. فَقَالَ: ارْجِعُوا بِهَا. ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ ; عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَعْقِلَ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا بَالُ هَذِهِ ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ. قَالَ: فَأَرْسِلْهَا فَأَرْسَلَهَا. قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يُكَبِّرُ.

(7177) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ مَرَّةً وَيُفِيقُ أُخْرَى، فَأَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُفِيقٌ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ زَنَى فِي إفَاقَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ الزِّنَى الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ وُجِدَ مِنْهُ فِي حَالِ تَكْلِيفِهِ، وَالْقَلَمُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عَنْهُ، وَإِقْرَارُهُ وُجِدَ فِي حَالِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ. فَإِنْ أَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ، وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى حَالٍ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالزِّنَى، وَلَمْ تُضِفْهُ إلَى حَالِ إفَاقَتِهِ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي حَدِيثِ الْمَجْنُونَةِ الَّتِي أَتَى بِهَا عُمَرُ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: إنَّ هَذِهِ مَعْتُوهَةُ بَنِي فُلَانٍ، لَعَلَّ الَّذِي أَتَاهَا أَتَاهَا فِي بَلَائِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَأَنَا لَا أَدْرِي.

(7178) فَصْلٌ: وَالنَّائِمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ، فَلَوْ زَنَى بِنَائِمَةٍ، أَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ نَائِمٍ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ الزِّنَى حَالَ نَوْمِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إقْرَارِهِ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَدْلُولِهِ. فَأَمَّا السَّكْرَانُ وَنَحْوُهُ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ، إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي سُكْرِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ ; لِكَوْنِ السُّكْرِ مَظِنَّةً لَهَا، وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلِأَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ فِي رِوَايَةٍ، فَأَشْبَهَ النَّائِمَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ إسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ فِعْلَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، شَرِبَ الْخَمْرَ، وَفَعَلَ مَا أَحَبَّ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلِأَنَّ السُّكْرَ مَظِنَّةٌ لِفِعْلِ الْمَحَارِمِ، وَسَبَبٌ إلَيْهِ، فَقَدْ تَسَبَّبَ إلَى فِعْلِهَا حَالَ صَحْوِهِ.

فَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى وَهُوَ سَكْرَانُ، لَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَلَا يَدُلُّ قَوْلُهُ عَلَى صِحَّةِ خَبَرِهِ، فَأَشْبَهَ قَوْلَ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ. وَقَدْ رَوَى بُرَيْدَةَ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنْكَهَ مَاعِزًا} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ، لِيَعْلَمَ هَلْ هُوَ سَكْرَانُ أَوْ لَا، وَلَوْ كَانَ السَّكْرَانُ مَقْبُولَ الْإِقْرَارِ، لَمَا اُحْتِيجَ إلَى تَعَرُّفِ بَرَاءَتِهِ مِنْهُ.

(7179) فَصْلٌ: فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهُوَ صَحِيحٌ. فَفَسَّرَهُ الْقَاضِي بِالصَّحِيحِ مِنْ الْمَرَضِ، يَعْنِي أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ، وَإِنْ وَجَبَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِمَا يُؤْمَنُ بِهِ تَلَفُهُ، فَإِنْ خِيفَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، ضُرِبَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً بِضِغْثٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ أَوْ عُودٍ صَغِيرٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الصَّحِيحَ الَّذِي يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوَطْءُ، فَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ، كَالْمَجْنُونِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّنَا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الزِّنَى الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ، وَلَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَهِيَ كَاذِبَةٌ، وَعَلَيْهَا الْحَدُّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَإِنْ أَقَرَّ الْخَصِيُّ أَوْ الْعِنِّينُ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ، كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ.

(7180) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْأَخْرَسُ، فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إقْرَارٌ، وَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إقْرَارُهُ بِغَيْرِ الزِّنَى صَحَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت