أَيْضًا وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْإِقَامَةِ وَالِانْصِرَافِ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ، لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَالِ مُحْتَسَبِينَ، فَيَكُونُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمُوَلِّينَ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وَلِذَلِكَ صَبَرَ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ.
(7624) فَصْلٌ: فَإِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا، فَلِأَهْلِهِ التَّحَصُّنُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَوَلِّيًا وَلَا فِرَارًا، إنَّمَا التَّوَلِّي بَعْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ لَقُوهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمْ التَّحَيُّزُ إلَى الْحِصْنِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ، أَوْ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ.
وَإِنْ غَزَوْا فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْفِرَارِ، لِأَنَّ الْقِتَالَ مُمْكِنٌ لِلرَّجَّالَةِ وَإِنْ تَحَيَّزُوا إلَى جَبَلٍ لِيُقَاتِلُوا فِي رَجَّالَةٍ، فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّهُ تَحَرُّفٌ لِلْقِتَالِ وَإِنْ ذَهَبَ سِلَاحُهُمْ، فَتَحَيَّزُوا إلَى مَكَان يُمْكِنُهُمْ الْقِتَالُ فِيهِ بِالْحِجَارَةِ، وَالتَّسَتُّرُ بِالشَّجَرِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَهُمْ فِي التَّحَيُّزِ إلَيْهِ فَائِدَةٌ جَازَ.
(7625) فَصْلٌ: فَإِنْ وَلَّى قَوْمٌ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، وَأَحْرَزَهَا الْبَاقُونَ، فَلَا شَيْءَ لِلْفَارِّينَ، لِأَنَّ إحْرَازَهَا حَصَلَ بِغَيْرِهِمْ، فَكَانَ مِلْكُهَا لِمَنْ أَحْرَزَهَا وَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ، أَوْ مُتَحَرِّفِينَ لِلْقِتَالِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ أَيْضًا، لِذَلِكَ وَإِنْ فَرُّوا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمْ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ بِحِيَازَتِهَا، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُمْ عَنْهَا بِفِرَارِهِمْ
(7626) فَصْلٌ: فَإِذَا أَلْقَى الْكُفَّارُ نَارًا فِي سَفِينَةٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ فَاشْتَعَلَتْ فِيهَا، فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ السَّلَامَةُ فِيهِ، مِنْ بَقَائِهِمْ فِي مَرْكَبِهِمْ، أَوْ إلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِي الْمَاءِ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ فِعْلُهُ، وَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُمْ الْأَمْرَانِ، فَقَالَ أَحْمَدُ كَيْفَ شَاءَ يَصْنَعُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هُمَا مَوْتَتَانِ، فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ الْمُقَامُ، لِأَنَّهُمْ إذَا رَمَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَاءِ، كَانَ مَوْتُهُمْ بِفِعْلِهِمْ، وَإِنْ أَقَامُوا فَمَوْتُهُمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ.
(7627) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ، بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا، عَلَى حِفْظِ الْغَنِيمَةِ، فَمُبَاحٌ لَهُ مَا أَخَذَ، إنْ كَانَ رَاجِلًا، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغَنِيمَةَ إذَا احْتَاجَتْ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا، أَوْ سَوْقِ الدَّوَابِّ الَّتِي هِيَ مِنْهَا، أَوْ يَرْعَاهَا، أَوْ يَحْمِلُهَا، فَإِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَيُؤَدِّيَ أُجْرَتَهَا مِنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَتِهَا، فَهُوَ كَعَلَفِ الدَّوَابِّ، وَطَعَامِ السَّبْيِ، وَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَهُ أُجْرَتُهُ مُبَاحَةً، لِأَنَّهُ أَجَرَ نَفْسَهُ لِفِعْلٍ بِالْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ حَاجَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ أُجْرَتُهُ كَمَا لَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ عَلَى الدَّلَالَةِ إلَى الطَّرِيقِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: إنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا. فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ لَا يَرْكَبُ مِنْ دَوَابِّ الْمَغْنَمِ، وَلَا فَرَسًا حَبِيسًا.
قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَجِّرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَكَرِهَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْقَوْمَ عَلَى سِبَاقِ الرَّمَكِ عَلَى فَرَسٍ حَبِيسٍ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الْفَرَسَ الْمَوْقُوفَةَ لِلْجِهَادِ فِيمَا يَخْتَصُّ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ فَإِنْ أَجَرَ نَفْسَهُ، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ الْحَبِيسَ، أَوْ دَابَّةً مِنْ