أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ رَقَبَةٌ تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهِ فَأَجْزَأَتْ عَنْ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ. وَالْآخَرُ لَا يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي الْإِعْتَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى إعْتَاقِ غَيْرِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي إعْتَاقِ نَفْسِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ جَازَ، فَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فِي الْإِعْتَاقِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ إلَّا أَقَلَّ رَقَبَةٍ تُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَلَيْسَ لَهُ إعْتَاقُ نَفْسِهِ إذَا كَانَتْ أَفْضَلَ مِمَّا يُجْزِئُ. وَهَذَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي التَّكْفِيرِ أَنْ يُمَلِّكَهُ سَيِّدُهُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، بَلْ مَتَى أَذِنَ لَهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ، أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ التَّمْلِيكَ، لَمَا صَحَّ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مُعَيَّنٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ مُطْلَقًا.
(8052) فَصْلٌ: وَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدُ عَبْدًا عَنْ كَفَّارَتِهِ، بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَقُلْنَا: إنَّ الْإِعْتَاقَ فِي الْكَفَّارَةِ يَثْبُتُ بِهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ. ثَبَتَ وَلَاؤُهُ لِلْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إنَّمَا الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ". وَلَا يَرِثُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِرْثِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، أَوْ قَتَلَ الْمُعْتِقُ عَتِيقَهُ ; فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ مَعَ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لَهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَتَقَ الْمُعْتِقُ لَهُ وَرِثَ بِالْوَلَاءِ، لِزَوَالِ الْمَانِعِ، كَمَا إذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا. ذَكَرَ هَذَاطَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ لَا يَرِثُ عَتِيقَهُ فِي حَيَاةِ عَبْدِهِ، كَمَا لَا يَرِثُ وَلَدَ عَبْدِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، ثُمَّ مَاتَ وَرِثَ السَّيِّدُ مَوْلَى عَبْدِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْلَى مَوْلَاهُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ، وَلَهُ وَلَدٌ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمَوْلَى أُمِّهِ يَجُرُّ وَلَاءَهُ، وَيَرِثُهُ سَيِّدُهُ إذَا مَاتَ أَبُوهُ.
(8053) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ عَبْدِهِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ أَوْ الْحِنْثُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَسَوَاءٌ أَضَرَّ بِهِ الصِّيَامُ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ حَنِثَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالصَّوْمُ يَضُرُّ بِهِ، فَلَهُ مَنْعُهُ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيمَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَرَرٌ عَلَى السَّيِّدِ، فَكَانَ لَهُ مَنْعُهُ وَتَحْلِيلُهُ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَنَا، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، كَصِيَامِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ، وَيُفَارِقُ الْحَجَّ ; لِأَنَّ ضَرَرَهُ كَثِيرٌ ; لِطُولِ مُدَّتِهِ، وَغَيْبَتِهِ عَنْ سَيِّدِهِ، وَتَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ، وَلِهَذَا مَلَكَ تَحْلِيلَ زَوْجَتِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا صَوْمَ الْكَفَّارَةِ.
فَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَعْبُدُ رَبَّهُ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، فَأَشْبَهَ ذِكْرَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ خِدْمَتِهِ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ.
(8054) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ حَنِثَ وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ)
ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالَةِ الْحِنْثِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَبْدٌ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا فِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكَفَّرُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ حَنِثَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، فَإِنْ كَفَّرَ بِهِ أَجْزَأَهُ.
وَهَذَا مَنْصُوصٌ، عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَلَيْسَ عَلَى الْخِرَقِيِّ حُجَّةٌ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لَهُ ; لِقَوْلِهِ: إنَّمَا يُكَفِّرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ."وَإِنَّمَا"لِلْحَصْرِ،