شُفْعَتِهِ ; لِأَنَّهُ يُوَفِّرُ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَا شَهَادَةُ بَعْضِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَلَى بَعْضِهِمْ بِإِسْقَاطِ دَيْنِهِ، أَوْ اسْتِيفَائِهِ. وَلَا بَعْضِ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ عَلَى آخَرَ، بِمَا يُبْطِلُ وَصِيَّتَهُ، إذَا كَانَتْ وَصِيَّتُهُ تَحْصُلُ بِهَا مُزَاحَمَتُهُ ; إمَّا لِضِيقِ الثُّلُثِ عَنْهُمَا، أَوْ لِكَوْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ بِمُعَيَّنٍ.
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِهِ مُتَّهَمٌ ; لِمَا يَحْصُلُ بِشَهَادَتِهِ مِنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ. وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ، أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ خَصْمٍ، وَلَا ظَنِينٍ. وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ. وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: {قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا شَهَادَةَ لَخَصْمٍ، وَلَا ظَنِينٍ} . وَمِمَّنْ رَدَّ شَهَادَةَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ شُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
(8377) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، أَوْ الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، أَوْ الْعَدُوُّ لِعَدُوِّهِ، أَوْ الْوَارِثُ لِمَوْرُوثِهِ بِمَالٍ، أَوْ بِالْجَرْحِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ، بَعْدَ أَنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ عَلَى الْآخَرِ، بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ، أَوْ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بَعْدَ سُقُوطِ وَصِيَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ، بِمَا يُسْقِطُ وَصِيَّتَهُ، أَوْ كَانَتْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَا تُزَاحِمُ الْأُخْرَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، قُبِلَتْ ; لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مُتَحَقِّقٌ، وَالْمَانِعُ مُنْتَفٍ فَوَجَبَ قَبُولُهَا، عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي.
(8378) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِقَوْلِهِ ; لِتَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا الْعَدَالَةَ، وَمَنْ يَكْثُرُ غَلَطُهُ وَتَغَفُّلُهُ، لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَلَطَاتِهِ، فَرُبَّمَا شَهِدَ عَلَى غَيْرِ مَنْ اُسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ، أَوْ لِغَيْرِ مَنْ شَهِدَ لَهُ، أَوْ بِغَيْرِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ مُغَفَّلًا، فَرُبَّمَا اسْتَزَلَّهُ الْخَصْمُ بِغَيْرِ شَهَادَته، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ. وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ وُجُودُ غَلَطٍ نَادِرٍ، أَوْ غَفْلَةٍ نَادِرَةٍ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ مَنَعَ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ، لَانْسَدَّ بَابُهَا، فَاعْتَبَرْنَا الْكَثْرَةَ فِي الْمَنْعِ، كَمَا اعْتَبَرْنَا كَثْرَةَ الْمَعَاصِي فِي الْإِخْلَالِ بِالْعَدَالَةِ.
(8379) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى، إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ)
رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ الْحَسَنِ، وَإِيَاسٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى. وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ شَهَادَتَهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالتَّرْجَمَةِ، وَإِذَا أَقَرَّ عِنْدَ أُذُنِهِ وَيَدُ الْأَعْمَى عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَبَطَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجِزْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، لَا تَجُوزُ عَلَى الْأَقْوَالِ، كَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ، فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا، كَالْخَطِّ. وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} .
وَسَائِرُ الْآيَاتِ فِي الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ