فهرس الكتاب

الصفحة 3653 من 3896

وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ. فَإِنَّ الْجَارَ إلَى نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ، وَيَجُرُّ إلَيْهِ بِهَا نَفْعًا ; كَشَهَادَةِ الْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، وَشَهَادَتِهِمْ لِلْمَيِّتِ بِدَيْنٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لِلْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ مَالٌ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ شَهِدَ الْغُرَمَاءُ لَحَيٍّ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.

فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ مُعْسِرًا سَقَطَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ، فَإِذَا شَهِدَا لَهُ بِمَالٍ، مَلَكَا مُطَالَبَتَهُ، فَجَرُّوا إلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا. قُلْنَا: لَمْ تَثْبُتْ الْمُطَالَبَةُ بِشَهَادَتِهِمْ، إنَّمَا تَثْبُتُ بِيَسَارِهِ وَإِقْرَارِهِ ; لِدَعْوَاهُ الْحَقَّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ. وَلَا تُقْبَلُشَهَادَةُ الْوَارِثِ لِلْمَوْرُوثِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِي الْجَرْحُ إلَى نَفْسِهِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لَهُمْ بِشَهَادَتِهِمْ. وَلَا شَهَادَةُ الشَّفِيعِ بِبَيْعِ شِقْصٍ لَهُ فِيهِ الشُّفْعَةُ. وَلَا شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا لِمُكَاتَبِهِ.

قَالَ الْقَاضِي: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ. وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ، مَعَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَرِثَهُ، فَقَدْ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا ؟ قُلْنَا: لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِهِ حِينَ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ لَامْرَأَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، أَوْ لِغَرِيمِ لَهُ بِمَالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ، أَوْ يُفْلِسَ، فَيَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مَا يَحْصُلُ لِلشَّاهِدِ بِهِ نَفْعٌ حَالَ الشَّهَادَةِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ مَنَعْتُمْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقٌّ فِي الْحَالِ، فَإِنْ قُلْتُمْ: قَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ حَقِّهِ. قُلْنَا: يَبْطُلُ بِالشَّاهِدِ لِمَوْرُوثِهِ الْمَرِيضِ بِحَقٍّ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ مَعَ انْعِقَادِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ ; بِدَلِيلِ أَنَّ عَطِيَّتَهُ لَهُ لَا تَنْفُذُ، وَعَطِيَّتَهُ لِغَيْرِهِ تَقِفُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الثُّلُثِ. قُلْنَا: إنَّمَا مَنَعْنَا الشَّهَادَةَ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْمَوْتِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلْوَارِثِ الشَّاهِدِ بِهِ ابْتِدَاءً، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ، مُوجِبًا لَهُ بِهَا حَقًّا ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ لِلْمَرِيضِ أَوْ الْمَجْرُوحِ بِمَالٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ، فَلَمْ يَمْنَعْ الشَّهَادَةَ لَهُ، كَالشَّهَادَةِ لِغَرِيمِهِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، كَمَا أَجَزْتُمْ شَهَادَتَهُ لَهُ بِمَالِهِ ؟. قُلْنَا: إنَّمَا أَجَزْنَاهَا لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّاهِدِ ابْتِدَاءً، إنَّمَا تَجِبُ لِلْقَتِيلِ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ، ثُمَّ يَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ مِنْهَا، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ لَهُ بِالْمَالِ. وَأَمَّا الدَّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَمِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ، أَوْ تَشْهَدَ عَاقِلَةُ الْقَاتِلِ خَطَأً بِجَرْحِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ بِالْجَرْحِ فَقِيرَيْنِ، اُحْتُمِلَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا لَا يَحْمِلَانِ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تُقْبَلَ ; لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يُوسِرَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَيَحْمِلَا.

وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْبَعِيدِ الَّذِي لَا يَحْمِلُ لِبُعْدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَيَحْمِلَ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الضَّامِنِ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بِقَضَاءِ الْحَقِّ، أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ. وَلَا شَهَادَةُ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِسْقَاطِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت