فهرس الكتاب

الصفحة 1937 من 3896

مِنْ تَمَلُّكِهِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ دَفْعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ، فَلَمْ يَمْلِكْ دَفْعَهُ إلَى وَارِثٍ يَخُصُّهُ بِهِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدًا مِنْ الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ هِبَةٍ، وَيَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ، فَمَلَكَ دَفْعَهُ إلَى وَارِثٍ. فَلَوْ قَالَ: رَدَدْت هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لِفُلَانٍ. قِيلَ لَهُ: مَا أَرَدْت بِقَوْلِكَ لِفُلَانٍ ؟ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا، وَتَخْصِيصَهُ بِهَا. فَقَبِلَهَا، اخْتَصَّ بِهَا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت رَدَّهَا إلَى جَمِيعِهِمْ، لِيَرْضَى فُلَانٌ. عَادَتْ إلَى جَمِيعِهِمْ إذَا قَبِلُوهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَلِمَنْ قَبِلَ حِصَّتُهُ مِنْهَا.

(4620) فَصْلٌ: وَيَحْصُلُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ: رَدَدْت الْوَصِيَّةَ. وَقَوْلِهِ: لَا أَقْبَلُهَا. وَمَا أَدَّى هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: لَا أَقْبَلُهَا. فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ. يَعْنِي لِوَرَثَةِ الْمُوصِي.

(4621) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ أَوْ يَرُدَّ، قَامَ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ، إذَا كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي)

اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَذَهَبَ الْخِرَقِيِّ إلَى أَنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَوْرُوثِ فَثَبَتَ لِلْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ} . وَكَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْقَبُولُ قَبْلَهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ، كَالْهِبَةِ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ خِيَارٌ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ، فَبَطَلَ بِالْمَوْتِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَخِيَارِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَلْزَمُ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ، وَتَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا بِغَيْرِ قَبُولٍ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ لَزِمَتْ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِلْمُوصَى لَهُ، فَإِذَا مَاتَ، بَطَلَ خِيَارُهُ، وَدَخَلَ فِي مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَهُ، فَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهِ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ، أَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، كَعَقْدِ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ إذَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوجِبِ لَهُ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْآخَرِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا. وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبُولِ، مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَهُوَ أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوجِبِ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْخِيَارَاتِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْطُلُ الْخِيَارُ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَنَا، عَلَى إبْطَالِ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِ الْمُتَمَلِّكِ، فَلَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْقَبُولِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى لَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ; لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ مَاتَ عَنْهُ الْمُسْتَحِقُّ فَلَمْ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، قَامَ الْوَارِثُ فِيهِ مَقَامَهُ. فَعَلَى هَذَا، إنْ رَدَّ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ بَطَلَتْ، وَإِنْ قَبِلَهَا صَحَّتْ، وَثَبَتَ الْمِلْكُ بِهَا. وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ جَمَاعَةً، اُعْتُبِرَ الْقَبُولُ أَوْ الرَّدُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ، فَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ وَقَبِلَ بَعْضٌ، ثَبَتَ لِلْقَابِلِ حِصَّتُهُ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ رَدَّ. فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إلَّا مَا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْحَظُّ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا كَانَ الْحَظُّ فِي قَبُولِهَا فَرَدَّهَا، لَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ، وَكَانَ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت