فهرس الكتاب

الصفحة 2404 من 3896

بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّدَاقِ، وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَسْقَطَتْ الصَّدَاقَ الْوَاجِبَ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا نِصْفَهُ، وَهَاهُنَا أَسْقَطَ السَّيِّدُ عَنْ الْمُكَاتِبِ مَا وُجِدَ سَبَبُ إيتَائِهِ إيَّاهُ، فَكَانَ إسْقَاطُهُ مَقَامَ إيتَائِهِ، وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ، ثُمَّ آتَاهُ إيَّاهُ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ. وَلَوْ قَبَضَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا، وَوَهَبَتْهُ لِزَوْجِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَرَجَعَ عَلَيْهَا، فَافْتَرَقَا.

(5633) فَصْلٌ: وَلَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ مِنْ الصَّدَاقِ إلَّا بِتَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ يَتَسَلَّمُ مَالَهَا، فَإِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً، لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهَا، أَوْ إلَى وَكِيلِهَا، وَلَا يَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى أَبِيهَا وَلَا إلَى غَيْرِهِ ; بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ مَهْرَ ابْنَتِهِ، وَأَنْكَرَتْ، فَذَاكَ لَهَا، تَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا بِالْمَهْرِ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى أَبِيهَا. فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيكَ} ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا، إنَّمَا أَخَذَ مِنْ زَوْجِهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ قَبْضُ صَدَاقِ الْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَادَةُ، وَلِأَنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي، فَقَامَ أَبُوهَا مَقَامَهَا، كَمَا قَامَ مَقَامَهَا فِي تَزْوِيجِهَا.

وَلَنَا، أَنَّهَا رَشِيدَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهَا قَبْضُ صَدَاقِهَا، كَالثَّيِّبِ، أَوْ عِوَضٌ مَلَكَتْهُ وَهِيَ رَشِيدَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهَا قَبْضُهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، كَثَمَنِ مَبِيعِهَا، وَأَجْرِ دَارِهَا. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ، سَلَّمَهُ إلَى وَلِيِّهَا فِي مَالِهَا، مِنْ أَبِيهَا، أَوْ وَصِيِّهِ، أَوْ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهَا، فَهُوَ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا، وَأَجْرِ دَارِهَا.

(5634) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَفْعُ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، إذَا كَانَ مِثْلُهَا لَا يُوطَأُ، أَوْ مُنِعَ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ قِبَلِهِ، لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا ; لِصِغَرِهَا، فَطَلَبَ وَلِيُّهَا تَسَلُّمَهَا، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا، لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ، وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا. وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا أَيْضًا ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى النَّاشِزِ ; لِكَوْنِهَا لَمْ تُسَلِّمْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا، فَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ.

وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ الْحَالِّ إذَا طُولِبَ بِهِ. فَأَمَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا فِيهِ، كَالصَّغِيرَةِ، وَالْمَانِعَةِ نَفْسَهَا، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ: يَجِبُ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْبُضْعِ، وَقَدْ مَلَكَهُ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، فَإِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ. وَرَدَّ قَوْمٌ هَذَا وَقَالُوا: الْمَهْرُ قَدْ مَلَكَتْهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا مَلَكَهُ مِنْ بُضْعِهَا، فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالِاسْتِيفَاءِ إلَّا عِنْدَ إمْكَانِ الزَّوْجِ اسْتِيفَاءَ الْعِوَضِ.

(5635) فَصْلٌ: وَإِمْكَانُ الْوَطْءِ فِي الصَّغِيرَةِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِهَا وَاحْتِمَالِهَا لِذَلِكَ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ يَخْتَلِفْنَ، فَقَدْ تَكُونُ صَغِيرَةَ السِّنِّ تَصْلُحُ، وَكَبِيرَةً لَا تَصْلُحُ. وَحَدَّهُ أَحْمَدُ بِتِسْعِ سِنِينَ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي الصَّغِيرَةِ يَطْلُبُهَا زَوْجُهَا: فَإِنْ أَتَى عَلَيْهَا تِسْعُ سِنِينَ، دُفِعَتْ إلَيْهِ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا بَعْدَ التِّسْعِ. وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَى بِعَائِشَةَ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت