وُجِدَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحِجَازِ، رُدَّ إلَى أَقْرَبِ مَا يُشْبِهُهُ فِي الْحِجَازِ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِنْهَا، فَهُوَ مُبَاحٌ ; لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {: قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا} .
الْآيَةَ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: وَمَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ} . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمِنْ الْمُسْتَخْبَثَاتِ الْحَشَرَاتُ، كَالدِّيدَانِ، وَالْجُعَلَانِ، وَبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَالْخَنَافِسِ، وَالْفَأْرِ، وَالْأَوْزَاغِ، وَالْحِرْبَاءِ، وَالْعَضَاةِ، وَالْجَرَاذِينَ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَيَّاتِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرَخَّصَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، فِي هَذَا كُلِّهِ، إلَّا الْأَوْزَاغَ، فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَيَّةُ حَلَالٌ إذَا ذُكِّيَتْ. وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْآيَةِ الْمُبِيحَةِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى {: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ; الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ} . وَفِي حَدِيثٍ:"الْحَيَّةُ"مَكَانَ:"الْفَأْرَةِ". وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ، لَمْ يُبَحْ قَتْلُهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .
وَقَالَ: {وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدَ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} . وَلِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ، فَحُرِّمَتْ، كَالْوَزَغِ أَوْ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْوَزَغَ.
(7781) فَصْلٌ: وَالْقُنْفُذُ حَرَامٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هُوَ حَرَامٌ. وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَلَنَا، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: {ذُكِرَ الْقُنْفُذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هُوَ خَبِيثٌ مِنْ الْخَبَائِثِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَأْكُلُ الْحَشَرَاتِ، فَأَشْبَهَ الْجُرَذَ.
(7782) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ)
أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهُوهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي تَحْرِيمِهَا وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} وَتَلَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: مَا خَلَا هَذَا، فَهُوَ حَلَالٌ. وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ الْفَأْرَةِ، فَقَالَتْ: مَا هِيَ بِحَرَامٍ. وَتَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَلَمْ يَرَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو وَائِلٍ بِأَكْلِ الْحُمُرِ بَأْسًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَالِبِ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنَا سَنَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. فَقَالَ {: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ حَوَالَيْ الْقَرْيَةِ}