فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 3896

الرَّأْي ; لِأَنَّهَا جَزَاءٌ عَنْ جِنَايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، فَيَجِبُ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحَدِّ.

وَالثَّانِي: لَا تُجْزِئُ وَاحِدَةٌ، وَيَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ ; لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَإِذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهِ لَمْ تَتَدَاخَلْ، كَرَمَضَانَيْنِ، وَكَالْحَجَّتَيْنِ.

(2070) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةُ ثَانِيَةٌ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا، مِثْلُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، أَوْ أَكَلَ عَامِدًا، ثُمَّ جَامَعَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا شَيْء عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجِمَاعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الصَّوْمَ، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا، كَالْجِمَاعِ فِي اللَّيْلِ. وَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهَا، فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ إذَا كَانَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ، كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْأَوَّلِ، وَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ. فَإِنْ قِيلَ: الْوَطْءُ الْأَوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصَّوْمِ، وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ. قُلْنَا: هُوَ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الصَّوْمَ.

(2071) فَصْلٌ: إذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ، لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَ عَطَاءٍ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهَا غَيْرَهُ، وَأَظُنُّ هَذَا غَلَطًا ; فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَوَطِئَ فِي يَوْمِهِ ; لِأَنَّ حُرْمَةَ الْيَوْمِ لَمْ تَذْهَبْ، فَإِذَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِ الصَّائِمِ لِحُرْمَةِ الْيَوْمِ، فَكَيْفَ يُبِيحُ الْأَكْلَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَأَشْبَاهِهِ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ كَانَ لَهُ الْفِطْرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ فِي الْبَاطِنِ مُبَاحًا، فَأَشْبَهَ مَنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ.

فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَإِنْ جَامَعَ فِيهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، كَاَلَّذِي أَصْبَحَ لَا يَنْوِي الصِّيَامَ، أَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ. وَإِنْ كَانَ جِمَاعُهُ قَبْلَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، عَلَى مَا مَضَى فِيهِ.

(2072) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ لَازِمٌ لَهُ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْمُفْطِرِ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، أَوْ النَّاسِي لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَنَحْوِهِمْ، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ. لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا. إلَّا أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ فِي الْمَعْذُورِ فِي الْفِطْرِ، إبَاحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ. وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.

(2073) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِرِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْكَافِرِ، وَالْمَرِيضِ، إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَطَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، وَأَقَامَ الْمُسَافِرُ، وَبَلَغَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت